الخميس، 14 يناير، 2010

صباح الخير يا عمران.. سد مروي مشروع القرن : بانوراما الحصاد 2009م

صباح الخير يا عمران
سد مروي مشروع القرن : بانوراما الحصاد 2009م


تجئ احتفالات البلاد بأعياد الاستقلال المجيد هذا العام 2010م، وقد قطعت شوطاً بعيداً في مجال التنمية تأكيداً لمعنى الاستقلال وتكريساً للوحدة الوطنية. وآية ذلك أن التنمية بشقيها المادي والبشري هي الكفيلة بإنهاء ظاهرة التهميش لحساب المركز وبالتالي المساهمة في رتق النسيج الاجتماعي ودعم وحدة البلاد.
هذا ويعتبر عام 2009م هو عام الحصاد في وحدة تنفيذ السدود، حيث اكتملت العديد من المشروعات المصاحبة وبدأ سد مروي الذي يكتمل العمل فيه خلال العام 2010م في إنتاج الكهرباء مما أحدث استقراراً كبيراً في الطاقة الكهربائية بينما انطلقت الأعمال بصورة كبيرة في مشروع تعلية خزان الروصيرص، هذا بجانب اكتمال الدراسات في السدود المقترحة، وأخصها سد الشريك.
يناير 2009م:
بدأت في هذا التاريخ إرهاصات الاحتفالات بتدشين كهرباء السد وذلك ببدء الاختبارات النهائية في الوحدتين: الأولى والثانية إيذاناً بالتشغيل التجريبي ثم التشغيل النهائي بينما اكتملت الأعمال المدنية الخاصة بملء بحيرة السد حتى المستوى المطلوب للتوليد الكهربائي. وفي الخامس من فبراير 2009م احتفل بتشغيل الوحدتين الأولى والثانية بحضور نائب المدير التنفيذي للوحدة المهندس محمد الحسن الحضري وفي الحادي عشر من الشهر نفسه تم الاحتفال باقتران الوحدة الأولى لتغذية الشبكة الداخلية بمحطة التوليد بحضور الوزير أسامة عبد الله. وفي 23 فبراير تم الاحتفال باقتران الوحدتين: الأولى والثانية بالشبكة الداخلية بمحطة كهرباء سد مروي.
مارس 2009م:
وفي هذا التوقيت اتجهت أنظار السودانيين كلها شمالاً، حيث تم الاحتفال 3 مارس 2009م بتدشين كهرباء سد مروي على يد السيد رئيس الجمهورية والذي أعلن حينها عن تخفيض تعريفة الكهرباء كأول إهداء للشعب السوداني.
ابريل ـ مايو 2009م:
شهدت هذه الفترة العديد من الاحتفالات كان أبرزها افتتاح جسر البشير (شندي ـ المتمة) على يد السيد رئيس الجمهورية وذلك ضمن المشاريع المصاحبة للسد إذ نفذتها وحدة تنفيذ السدود وذلك تحقيقاً لحلم طال انتظاره. هذا وقد ساهمت الوحدة في العديد من مشاريع الطرق والجسور في شمال السودان بنيات تحتية مهمة لانطلاق التنمية.
يوليو 2009م:
تواصلت في هذا التاريخ الاحتفالات بانجاز وحدة السدود لمشروعي الفداء والمناصير الجديدة وذلك بتدشين هذين المشروعين وذلك بعد أن انطلقت الزراعة بها واكتملت إعادة توطين المتأثرين بسد مروي من مجموعة المناصير، هذا في الوقت الذي تتم فيه تدشين جسر الشهيد الزبير (دنقلا ـ السليم) في مرحلته الأولى: وفي ذات الوقت تم تدشين بداية العمل في جسر : (الدبة ـ أرتي) ليربط بين طريقي شريان الشمال وكريمة ـ ناوا. كما تم الاحتفال بدخول التوربينتين الثالثة والرابعة للشبكة القومية ليرتفع إنتاج السد إلى (500) ميغاواط.
أغسطس ـ سبتمبر 2009م:
تواصلت الانجازات، فاحتفلت وحدة تنفيذ السدود بافتتاح جسري: أم الطيور ـ العكد والشهيد الزبير دنقلا ـ السليم، وذلك على يد السيد رئيس الجمهورية، والذي قام كذلك بتفقد موقع السد ومن ثم تدشين التوربينتين: الخامسة والسادسة ليصل الإنتاج الكهربائي إلى 750 ميغاواط، هذا إلى جانب الاحتفال بتخريج الدفعة الأولى من كلية مروي التقنية.
جدير بالذكر أن من الأحداث الهامة التي شهدتها هذه الفترة تفقد النائب الأول لرئيس الجمهورية ورئيس حكومة الجنوب سلفاكير ميارديت لأعمال تعلية سد الروصيرص ضمن زيارته لولاية جنوب النيل الأزرق.
أكتوبر 2009م:
في هذا الحين تواصلت انجازات الحصاد بدخول التوربينتين السابعة والثامنة ليبلغ إنتاج الكهرباء(1000) ميغاواط، فيما تم الإعلان عن اكتمال الأعمال المدنية الرئيسية بسد مروي، وارتفعت كذلك وتيرة معدل الأعمال في تعلية سد الروصيرص.
ومن الأحداث الهامة التي شهدتها هذه الفترة مشاركة مندوب وحدة تنفيذ السدود الأستاذ الهادي محمد علي مدير إدارة البيئة والسلامة والتأمين في مؤتمر إنقاذ آثار منطقة الشلال الرابع والذي انعقد بمدينة: فدانسك ببولندا، حيث قدم الأستاذ الهادي ورقة عن دور وحدة تنفيذ السدود في إنفاذ وحفظ الآثار والتراث بالمنطقة.
نوفمبر 2009م :
شهدت هذه الفترة الاحتفال بإنزال الجزء الدوار في التوربينة العاشرة كآخر الأجزاء الثقيلة في محطة كهرباء السد وذلك إيذاناً ببدء العد التنازلي لاكتمال وحدات السد بالمحطة. وانعقد في هذا الوقت مجلس الوزراء بكامله في الجلسة رقم 39 بمدينة الدمازين حيث وقف السيد رئيس الجمهورية والسادة الوزراء على حجم الأعمال المنجزة بسد الروصيرص.
والشاهد أن مشروع سد مروي بجانب تميزه بإنتاج طاقة مائية متعددة الأغراض بهدف توليد الطاقة الكهربائية الرخيصة ـ النظيفة ـ المستدامة، إلا أن المشروع لا يكتفي بذلك فقط وإنما يتجاوزه إلى إحداث ما يمكن أن نطلق عليه التنمية الشاملة بشقيها: المادي والبشري. فالسد إلى جانب الفوائد المباشرة التي يوجدها والمتمثلة في توليد الكهرباء عبر التوليد المائي، فهو قد ساهم في إنشاء مشروعات زراعية متكاملة أفرزت تجمعات سكانية في العديد من المناطق بولايتي الشمالية ونهر النيل. كما انه كان العامل الأساسي في نشر شبكة من الطرق البرية المسفلتة في مساحات واسعة بالمنطقة الشمالية.
والآن وقد شارف سد مروي بكلياته (السد والمشاريع المصاحبة) على الاكتمال، وبعد أن هبط بسلام على ارض الواقع رأينا أن نتطرق إلى الفوائد الجانبية التي أحدثتها بالبلاد بجانب الهدف الأساسي والمباشر لإنشاء السد نفسه.
وابتداء ففي المجال الزراعي فإن السد الذي أضاف الآن رقعة زراعية في ولايتي الشمالية ونهر النيل تقارب الـ 155 ألف فدان في مشروعات التوطين بالحامداب، أمري، المكابراب، والكحيلة، فهو الآن يستعد إلى توفير ما يصل إلى 2 مليون فدان زراعية تروي بالري الانسيابي.
ويقول الخبراء الاقتصاديون : إن المشروع والمشروعات المصاحبة قد أحدثت نقلة كبرى في المنطقة الشمالية وأنحاء البلاد المختلفة بشكل عام. وآية ذلك ما انتظم المنطقة من طرق وجسور ساعدت كثيراً في تسهيل النقل والتسويق للمنتجات داخلياً وخارجياً، هذا فضلاً عن المرافق الخدمية المختلفة: كالمطار والمستشفى وغيرها بمروي. ومن ناحية أخرى سيتم تحويل طلمبات الري على طول شواطئ النيل من العمل بالمازوت (الجازولين) للعمل بالطاقة الكهربائية الأمر الذي سيؤدي إلى انخفاض تكلفة المنتجات الزراعية بصورة سريعة لينتقل الأثر للقطاع الصناعي الذي سيجد منتجات زراعية رخيصة وطاقة رخيصة لإدارة مصانع متوسطة وصغيرة تمكن من تجهيز هذه المنتجات بالتعليب والحفظ والتغليف. ومن ثم ستجد هذه المنتجات مطاراً دولياً عالي الجاهزية بمخازنه ومبرداته، يمكن من تصديرها للخارج، وطرقاً سالكه تمكن من توزيعها لمواقع الاستهلاك العالي داخل السودان.
والحقيقة أن العائد من هذه العمليات المتتالية، سيتمثل في تغيير شامل في مستوى المعيشة والخدمات في شمال السودان أولاً وأنحاء البلاد الأخرى لاحقاً. هذا فضلاً عن امتداد شبكات الطاقة الكهربائية النفطية الرخيصة للخرطوم سيمكن من تحريك البنية الصناعية الضخمة الموجودة الآن والتي تعد الثالثة على مستوى إفريقيا بعد جنوب أفريقيا ومصر، والتي كانت معطلة بنسبة أكثر من 50% خلال السنوات الأخيرة بسبب ارتفاع كلفة التشغيل الناتجة أساساً عن التكلفة العالية للطاقة المحركة. وان انخفاض تكلفة الإنتاج سيمكن الصناعات الغذائية الوطنية من منافسة مثيلاتها واكتساح سوق منظمة الكوميسا ومنطقة التجارة الحرة العربية الكبرى. وفضلاً عن ذلك ستزدهر السياحة وقطاع العقارات. بوصول الطاقة الكهربائية الرخيصة لعدد من المدن، وسيتجه المستثمرون لإقامة الأبراج السكنية عوضاً عن المخططات السكنية التي تمتد على مساحات واسعة يصعب معها توفير الخدمات الأساسية من مياه وكهرباء وامن ومدارس ومراكز صحية ... الخ فالسكن في الشقق داخل الأبراج سيوفر كل هذا وبتكلفة قليلة جداً تستطيع المحليات تغطيتها.
وهكذا تستمر الآثار الايجابية لسد مروي ومشاريعه المصاحبة لكل النواحي الحياة في السودان. حقاً انه مشروع القرن المرشح لدحر الظلام وهزيمة الفقر بالبلاد. وسلام وألف سلام .. يا عمران.

استراحة
الربوع
أحمد عمر الرباطابي ...
من أم در يا ربوع سودانا نحييك وأنت كل آمالنا
نحييك في القرى والبادية وفي كل الأراضي الهادية
في الخرطوم زهورك نادية تهواك النفوس ليك راضية
في غربك عروس الرمال وفي شرقك آي الجمال
جنوبك واسع المجال يا حلات رطبك في الشمال
زهورك نادية فوق نيلا طيورو تغني في نخيلا
بواديك رايقة يا حليلا قوماك يلا نمشيلا
تفرح بيك جميع أجيالك وفي كل البقع ترضالك
طوالي الفرح في بالك يا ربوع شفنا استقبالك
أنت قديم وأنت حديث ليك إعجاب شعور وحسيس
لسع ما وصلت الميس دابك يا ربوعنا عريس
ودعناك خلاص يا ربوع نعودلك تاني بعد أسبوع
نلقاك فوق زحل مرفوع خيراتك تفيض نوع .. نوع

نضال العاملين عبر السنين.. نشأة وتطور الحركة العمالية بعطبرة ودورها في النضال الوطني (1946 ـ 1956)م

في الذكرى الرابعة والخمسين للاستقلال يناير 2010م (3 ـ 3)
نضال العاملين عبر السنين.. نشأة وتطور الحركة العمالية بعطبرة ودورها في النضال الوطني (1946 ـ 1956)م


"كانت السكة الحديد أحد أهم قنوات العمل السياسي بالبلاد، وآية ذلك أن تاريخ تطور الحركة العمالية في السودان وأثرها على الحركة السياسية القومية يعتبر من المرتكزات الأساسية في التاريخ السياسي السوداني".
مدخل:
لعبت المواصلات الحديثة، خاصة السكة الحديد، دوراً هاماً في انقلاب معايير العمران في السودان، وآية ذلك انه يمكن تقسيم مدن السودان إلى ثلاثة مجموعات. تشمل الأولى المدن التي كانت موجودة قبل الحكم البريطاني، ثم نمت وتطورت لوجود عوامل شتى أوجدها ذلك الحكم، من أهمها الخرطوم وأم درمان ومدني والأبيض وكسلا. والمجموعة الثانية التي كانت مزدهرة وتدهورت مكانتها في عهد الحكم البريطاني، فقد كان لها في الماضي أهمية تجارية وإدارية ثم انزوت وأصبح دورها هامشياً منها سواكن وبربر. أما سواكن فقد امتصت بورتسودان دورها حتى تحولت إلى حطام مدينة وفقدت بربر أهميتها كملتقى طرق تجارية بعد قيام مدينة عطبرة وامتداد الخط منها إلى بورتسودان والمجموعة الثالثة هي المدن التي نشأت مع قيام الحكم البريطاني. وأهمها عطبرة بورتسودان وكوستي. ومما يميز هذه المجموعة أنها لم تنشأ حول أضرحة الأولياء ومساجدهم كسائر مدن السودان القديمة، وإنما ارتكز نشاطها أساساً على السكة الحديد.
وتعتبر مدينة عطبرة النموذج الحي الذي يمثل ذلك الجيل الجديد من المدن الذي أوجده الحكم الأجنبي. فقد كانت المدينة مجتمعاً متفرداً ذا خصائص ومميزات فريدة. تقف شاهداً على مدى التطورات والمتغيرات والتفاعلات والتحديث الذي طرا على المجتمع السوداني خاصة في البنية الحضرية، وهذا المجتمع الذي أوجدته الظروف في بيئة عطبرة. قد يعطي فكرة أوضح لحجم المتغيرات الاجتماعية الهائلة في فترة الاستعمار. وهو أمر قد لا تمثله أي مدينة أخرى كما تمثله عطبرة وذلك لكونها مدينة صغيرة نسبياً وحديثة وسكانها متجانسون رغم تعدد أعراقهم وقبائلهم كما ارتبطت مصالحهم بمصدر رزق واحد تقريباً هو السكة الحديد. فالمدينة إذن ابتداع جديد أوجده الانجليز. وكأنما أرادوا أن يجعلوا منها مدينة اعتراضية تخرج عن نسق المدن السودانية المعروفة التي نمت كما أسلفنا حول أضرحة الأولياء ومساجدهم كالخرطوم ومدني والأبيض وغيرها، ولقد قامت المدينة أساسا لتكون مدينة مواصلات ونقل، فهي من نوع المدن الذي يسميه علماء الاجتماع الحضري (مراكز النقل الداخلي).
وقد نمت المدينة منذ بداية القرن العشرين من مجرد مخزن ومستودع لمهمات تشييد خط الساحل في عام 1905م لتكون مركزاً إدارياً وفنياً لكل ما يتعلق بشئون السكة الحديد في السودان. وقد تطورت المدينة بهذه الوظيفة لتصبح أهم مدينة صناعية وعمالية في السودان وطغت بشخصيتها على العاصمة الإدارية لمديريتها، وغدت أكبر مركز عمراني في شمال السودان وبلغ عدد سكانها في عام (64-1965)م حوالي 48.250 نسمة. وهكذا أحدث دخول السكة الحديد أثراً مدنياً ورثت على اثره مدينة عطبرة عقدية بربر أولى مدن السودان التجارية يوم كانت السيطرة لدروب القوافل. وانزوت بربر كمدينة إقليمية صغيرة وأصبحت مجرد محطة متوسطة الحال من محطات السكة الحديد.
ولقد كانت العمالة في مرفق السكة الحديد من أهم ما جلبه الانجليز من سبل ووسائل كسب العيش. فقد أدى النمو المتواصل في عمل السكة الحديد إلى جذب أعداد متلاحقة من الأجانب أصحاب الخبرات والتجارب السابقة للعمل بالمصلحة. ومن ثم استجلبت بعضاً من العناصر الأجنبية للعمل كفنيين في الورش الجديدة، وهذه العناصر شملت البريطانيين واليونانيين والبلغار والأتراك والروس والسوريين، وبطبيعة الحال فقد جذبت المدينة القبائل السودانية في المناطق حولها، بل وفي كل شمال السودان في منطقة تمتد من شندي جنوباً وحتى وادي حلفا شمالاً، هذا بجانب أهل السيالة والداخلة، والشاهد أنه خلال أعوام قلائل تحولت المدينة إلى مدينة عمالية، تذخر بمختلف الأجناس والألسن، وآية ذلك انه وحتى حلول الأزمة الاقتصادية العالمية (1929- 1934)م كانت تعيش بالمدينة جالية يونانية يصل حجمها إلى ما لا يقل عن مائة أسرة إغريقية انتقلت إليها من وادي حلفا في عام 1906م.
العوامل التي أدت إلى قيام التنظيمات النقابية بعد الحرب العالمية الثانية:
يعرف مصطلح الحركة العمالية بأنه عمالي، يتمثل عادة فيما يعرف (بالنقابة). وهي عبارة عن جمعية عمالية منظمة لجماعة من العمال ينتظمون في مجال عمل واحد، تعمل على حماية حقوقهم وتحسين ظروف عملهم ومعيشتهم، ولقد كانت فترة الحرب العالمية الثانية فرصة مواتية لإيقاظ الشعور الوطني السوداني بفضل انتشار الوعي السياسي ولاعتماد السلطات البريطانية على الموارد والجنود السودانيين في الحرب. وعليه فقد تميزت تلك الفترة بالتطورات الهائلة في شتى الميادين الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.
وهكذا ففي فترة الحرب العالمية الثانية وبعيدها شهد السودان ظروفاً جديدة أدت إلى فتح الطريق أمام قيام التنظيمات النقابية وتطورها. ويمكن تلخيصها في أربعة عوامل محددة.
العامل الأول: وهو ذو طبيعة اقتصادية، فقد أدت الحرب إلى تضخم مالي مريع تجلى في الارتفاع الشديد للأسعار بينما ظلت الرواتب على حالها منذ عام 1935م. وآية ذلك انه وحتى 1946م كان العامل يتقاضى راتباً يتراوح بين أربعة قروش واثني عشر قرشاً في اليوم، وحتى بعد أن زيدت الرواتب ظل العامل في السكة الحديد يتقاضى أجراً لا يتعدى جنيهين كراتب أساسي في الشهر. وقد كانت هذه الرواتب المتدنية أحد الدوافع الأساسية لقيام التنظيم العمالي. فالشاهد أن الأجر كان لا يتناسب مع العمل من حيث الكم والكيف، فساعات العمل طويلة، والعمل شاق ومضن، وقد عد العمال ذلك مظلمة وغبناً لابد من رفعه.
العامل الثاني: ويتمثل في تطور حجم القوى العاملة الحضرية خلال فترة الحرب، كنتيجة للمساهمة التي قدمها السودان للحلفاء في الشرق الأوسط في مجال التسهيلات وفي مجال المساهمة المباشرة في العمليات الحربية، وللتوسع الذي حدث في الصناعات الصغيرة اثناء الحرب. والظاهرة الأخيرة كانت بسبب الحاجة لإنتاج المعدات الحربية لجيوش الحلفاء وإنتاج السلع الاستهلاكية التي لم يكن من الممكن استيرادها في تلك الظروف.
ولقد كان للتوسع الكبير الذي شهدته قوة دفاع السودان خلال فترة الحرب، وتسريح أعداد كبيرة من الجنود بعد انتهاء الحرب تأثيرات هامة وايجابية في مجال تقوية الصف العمالي كماً وكيفاً. فقد التحقت أعداد مقدرة من أولئك الجنود بمرفق السكة الحديد، ومن ثم أمد ذلك حركة العمال برافد قوي وهام ومسلح بالقدرة الفنية. إذ كان أولئك الجنود مؤهلين تأهيلاً فنياً عالياً في التدريب على قيادة السيارات، والحدادة والتلغراف وغير ذلك من المهن الجديدة. ومن المهم أن نذكر أن بعض العمال الذين تقدموا نشاط الحركة النقابية في الأربعينات كانوا من أولئك الجنود المسرحين من قوة دفاع السودان خاصة الذين تحصلوا على تدريب في المجالات الفنية. وقد قدر عدد العمال الذين يعملون بالسكة الحديد من ذوي المهارات المختلفة في عام 1946م بنحو 20000 عامل، قفزوا إلى 25263 عامل في عام 1953م.
العامل الثالث: ويعزى إلى ظهور النشاط السياسي وسط المتعلمين السودانيين إثناء الحرب العالمية الثانية، الأمر الذي أدى إلى توسيع فرص نشوء التنظيمات السياسية والاجتماعية على السواء، ومن جهة أخرى كانت بعض القيادات السياسية الجديدة لا تخفى تأييدها ودعمها للنشاط النقابي وسط العمال، بل انها قامت عملياً بدور هام وكبير بتشجيع قيام التنظيمات النقابية العمالية وفي الدفاع عنها وعن قياداتها الناشئة. فالشيوعيون الذين كونوا تنظيم الحركة السودانية للتحرر الوطني في عام 1944م كانوا في مقدمة الذين قاموا بمثل هذا الدور عن طريق بسطهم للحقائق الجديدة المتعلقة بوسائل النضال وشرحهم لأسباب البؤس والفقر الذي كانت ترزح تحت نيرة جماهير العمال. وعلى أي حال لم يكن الشيوعيون الحركة السياسية الوحيدة التي كانت تهتم بقضايا العمل النقابي، فحزب الأشقاء أيضاً كان يعمل على تشجيع ودعم نشاط العمال أدبياً ومادياً بل ساهم مساهمة كبيرة في نشوء وتطور النشاط النقابي.
العامل الرابع: ويتمثل في سياسة إدارة الحكم الثنائي في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية والتي كانت تستوعب فتح الطريق لنشوء النقابات العمالية في كل أقطار الإمبراطورية، خاصة بعد انتصار حزب العمال في انتخابات عام 1946م، وتعيين القائد العمالي أرنست بيفن (Ernest Bevin) وزيراً للخارجية في الحكومة البريطانية كان يمثل دافعاً رئيسياً يمثل هذا التغيير في سياسة إدارة الحكم الثنائي في السودان. وهذا ما حدث بالفعل ففور تعينه وزيراً للخارجية قام بيفن باتخاذ الإجراءات اللازمة لتعيين قنصل عمالي في السفارة البريطانية بالقاهرة وذلك لمساعدة حكومة السودان في تطوير التشريعات العمالية، وهكذا يمكن القول أن حزب العمال البريطاني أخذ يمد يده ما وراء البحار متلمساً الحركات العمالية في المستعمرات حتى يحتويها لتصبح سنداً له.
نشأة وتطور هيئة شئون العمال بعطبرة (1946 ـ 1947)م:
وهكذا وبعد سلسلة من الاجتماعات في الفترة ما بين 29 يونيو إلى 16 يوليو، شهد صيف عام 1946م بمدينة عطبرة، مركز السكة الحديد، قيام أول تنظيم للعمال أطلق عليه (هيئة شئون العمال) على يد العمال الفنيين بمصلحة الهندسة الميكانيكية. وكان ميلادها نتاجاً لعاملين مستقلين بالرغم من ظهورها في وقت واحد تقريباً (1946م). وظهر أحد هذين العاملين في شكل محاولة رسمية من قبل الحكومة لخلق علاقات وطيدة داخل إطار العمل بين العمال والإدارة وذلك عن طريق تكوين ما يسمى بـ (لجان الورش) أما العامل الثاني فقد برز من وسط العمال أنفسهم، وظهر في شكل تنظيم عمالي متعدد الأغراض هو: هيئة شئون العمال التي كانت تمثل تنظيماً نقابياً في جانب من جوانبها، وجمعية خيرية تعاونية في الجانب الآخر، ومن خلال التفاعل بين خطى التطور المذكورين، ومن خلاله حالة الصراع التي نشبت بينهما منذ البداية، تحددت ملامح سرعة النمو والتطور اللاحق لحركة العمال المنظمة.
والشاهد انه منذ مطالبة العمال بقيام الأندية العمالية في الثلاثينات، جاءت مطالبتهم بقيام تنظيم نقابي معترف به. ورفض المستعمر ذلك وطغى وتجبر، ولكن العمال اجبروه على ذلك بإضرابهم الجماعي الذي استمر مدة عشر أيام خلال شهر يوليو 1947م. وهو الإضراب الذي توقف خلاله دولاب العمل في كل مرافق السكة الحديد وعلى امتداد القطر، فتعطلت حركة مسير القطارات، وشلت حركة البواخر النيلية، وتأثرت جميع المصالح التي لها ارتباط بمرفق السكة الحديد والذي كان يمثل أهم وسيلة للنقل بالبلاد. وكان ذلك الإضراب الأول من نوعه في تاريخ السودان الحديث من حيث التنظيم، وهكذا تمكنت الهيئة ليس فقط من الحصول على الاعتراف الرسمي بها، وإنما أيضا من توسيع نفوذها إلى كل مصالح السكة الحديد. وكان ذلك الاعتراف بالهيئة يمثل بداية لمرحلة جديدة في تطور الحركة العمالية في السودان.
والحقيقة أن المطالب العمالية لم تكن مجردة من الروح الوطنية، بل حفلت بها، حتى يكاد المرء يلمس من خلالها الدعوة لإجلاء المستعمرين. كما أنها تؤكد نضوج الطبقة العاملة وحسها الوطني في مقاومة السلطة الاستعمارية من خلال تعرية ميزانياتها وكشف ألاعيبها، الأمر الذي أدى في النهاية إلى الإضراب المفتوح الذي نفذه عمال السكة الحديد في مارس 1948م واستمر لمدة ثلاثين يوماً.
والشاهد أنه في أغسطس 1949م تكون مؤتمر العمال من هيئة شئون العمال وأربعة عشرة نقابة عمالية. وفي نوفمبر 1950م، استبدل المؤتمر بالاتحاد العام لنقابات عمال السودان، وأصبح محمد السيد سلام رئيساً له والشفيع أحمد الشيخ سكرتيراً عاماً للاتحاد.
لقد كانت هناك عوامل رئيسية ومهمة شكلت العنصر الأساسي في إنجاح فكرة هيئة شئون العمال وبروزها بتلك القومية الكاسحة، وهي أن المستعمر كان هو المهيمن والمسيطر على جميع موارد الرزق في البلاد. وقيام الحركة العمالية بشكلها المطلبي جعلها تستغل تلك الصفة المطلبية بشكل أوسع وبطرق مبتكرة لمحاربة الاستعمار حرباً لا هوادة فيها، فالاضربات الكثيرة المتوالية والمظاهرات الكبيرة الهادرة، كانت تقوم لأبسط الأسباب وبهدف إزعاج المستعمر، وزعزعة سيطرته على البلاد. أن تلك الهيئة نمت وتطورت إلى أن صارت نقابة عمال السكة الحديد، وبذلك المجهود المثمر انتظمت جميع الهيئات في السودان تحت لواء النقابات التي حملت على عاتقها عبء النضال من أجل تحرير البلاد.
إتحاد عام نقابات العمال ونشاطه السياسي (1950 ـ 1956)م:
ولقد أدى قيام اتحاد عام نقابات العمال إلى وجود إطار جديد للحركة النقابية العمالية يمكنها من تحقيق أهدافها السياسية. فدستوره الذي أجيز في عام 1950م كان يحدد دور الاتحاد في الدفاع عن مصالح العمال وحقوق العمل، ولكن بعد فترة وجيزة من ذلك التاريخ، وجد الاتحاد نفسه داخل دائرة النشاط السياس، ففي أول اجتماع له في ديسمبر 1950م أعلن الإضراب لمدة ثلاثة أيام احتجاجاً على تشريد 119 طالباً من مدرسة خورطقت الثانوية. وهكذا وجدت النقابات نفسها منذ البداية في قلب النشاط السياسي، والحقيقة أن العمال كانوا قد ربطوا أنفسهم منذ وقت مبكر بالحركة الوطنية بقيام مؤتمر الخريجين في عام 1938م وجد العمال كما أسلفنا من أهم الفئات الحديثة النامية في البلاد، والاهم من ذلك أن المؤتمر وجد العمال شبه منظمين تحت راية الأندية، ووجد عندهم الوعي القومي الجديد، فما كان منه إلا أن حاول الاستفادة منهم، فبدأ بتنسيق نشاطه مع نشاطات الأندية بل وأخذ يستعين بها في تنفيذ برنامجه الوطني. وهكذا التقت الفئة المتعلمة مع الفئة العاملة وأخذوا ينسقون جميع نشاطاتهم اجتماعية كانت أم ثقافية.
والحقيقة أن هناك عوامل محددة كان لها تأثيرها الهام والكبير في دفع الحركة النقابية إلى دائرة النشاط السياسي يمكن تلخيصها في الآتي:
ـ صعود الحركة الوطنية والوعي الوطني في تلك الفترة (1946- 1955)م، كانت له تأثيراته الكبيرة على العمال وغيرهم من قطاعات السكان. وهذا ما دفعهم إلى ربط مطالبهم بالأفق السياسي والمطالب السياسية، وآية ذلك انه عند قيام (هيئة شئون العمال) بعطبرة في 1946م، لم ينس العمال واجبهم الوطني، فكان أول شيء فعلته أن اتصلت بالسيد عبد الرحمن المهدي، والسيد علي الميرغني، زعيمي طائفتي الأنصار والختمية، موضحة أهداف العمال وأغراضهم التي من اجلها واجهوا الانجليز. وبذلك يكون العمال قد وضعوا أنفسهم في المقدمة مع رجالات الحركة الوطنية إلى أن تحقق استقلال السودان.
ـ إن نجاح العمال في انتزاع شرعية العمل النقابي من خلال المواجهة المباشرة مع إدارة السكة الحديد والحكومة، كانت له أيضا تأثيراته في هذا الجانب. فقد دفعهم هذا النجاح إلى التركيز على الوعي السياسي والصلابة النضالية كطريق وحيد لتحقيق المطالب العمالية.
ـ هناك أيضاً حقيقة أن القطاع الحكومي كان يستوعب معظم القوى العاملة في البلاد، وبذلك كان العمال في صراعهم من اجل تحقيق مطالبهم النقابية لا يميزون كثيراً بين إدارة العمل في المصالح المختلفة، والحكومة الاستعمارية.
* وفي عام 1953م تجددت المواجهات بين اتحاد النقابات والحكومة، ففي فبراير من ذلك العام جرى التوقيع على اتفاقية الحكم الذاتي في القاهرة. ورغم أن الجماهير السودانية اندفعت مثل الموج الكاسح في تظاهرات فرحة تعبر عن تأييدها للاتفاقية، إلا أن اتحاد النقابات سرعان ما أعلن معارضته لها وأصدر بياناً يدين فيه الاتفاقية ويهاجم الأحزاب التي قبلتها من وراء ظهره. وكان هذا الموقف يقوم على أساس أن الاتفاقية تفتقد الضمانات الضرورية لتقرير المصير، كما أنها مدت عمر الاستعمار ثلاثة سنوات. هذا فضلاً عن أن السلطات الممنوحة للحاكم العام في الفترة الانتقالية، كانت كبيرة وواسعة. وكان اهتمام الاتحاد في الفترة اللاحقة ينحصر في معارضة وانتقاد برامج الأحزاب، ففي مؤتمره السنوي الثالث ديسمبر 1953م قام اتحاد النقابات بشن هجوم واسع على بعض السياسيين السودانيين بسبب اهتمامهم بقضايا التحرير فقط وإهمال القضايا الاقتصادية والاجتماعية حتى يتحقق الاستقلال، وأكد الاتحاد أن التحرير يفقد مضمونه إذا لم يرتبط بالتعمير، زاعماً أن الفشل في ربط عملية التحرير بقضايا التعمير يعني الخضوع لمصالح الاستعماريين والطبقات الحاكمة. وظل هذا الاتجاه يمثل محور الخط السياسي للاتحاد حتى إعلان الاستقلال في مطلع عام 1956م.
* وهكذا كان العمال وحركتهم النقابية أحد الشواهد الحية على صدق ما قيل من أن النتيجة النهائية لتشييد السكك الحديدية، والمحاولات المستمرة لتحسين وتطوير وسائل المواصلات في المستعمرات كانت غير متوقعة. وذلك أن تلك التحسينات التي أدت في بداية الأمر لامتلاك المستعمرات، خلقت في نهاية المطاف الظروف والعوامل التي أسهمت في الإطاحة بالاستعمار.
استراحة العدد:
أنا سوداني
للشاعر/ محمد عثمان عبد الرحيم..
كل أجزائه لنا وطن إذ نباهي به ونفتتن
نتغنى بحسنه أبداً دونه لا يروقنا حسن
حيث كنا حدت بنا ذكر ملؤها الشوق كلنا فدى
نتمنى جماله لنرى هل لترفيه عيشه ثمن
غير هذي الدماء نبذلها كالفدائي حين يمتحن
بسخاء بجرأة بقوى لا يني جهدها ولا تهن
تستهين الخطوب عن جلد تلك تنهال وهي تتزن
أيها الناس نحن من نفر عمروا الأرض حيثما قطنوا
يذكر المجد كلما ذكروا وهو يعتز حين يقترن
حكّموا العدل في الورى زمنا أترى هل يعود ذا الزمن
ردد الدهر حسن سيرتهم ما بها حطة ولا درن
نزحوا لا يظلموا أحداً لا، ولا لاضطهاد من أمنوا
وكثيرون في صدورهم تتنزى الأحقاد والإحن
دوحة العرب أصلها كرم والى العرب تنسب الفطن
أيقظ الدهر بينهم فتناً ولكم أفنت الورى الفتن
يا بلاداً حوت مآثرنا كالفراديس فيضها منن
قد جرى النيل في اباطحها يكفل العيش وهي تحتضن
رقصت تلكم الرياض له وتثنت غصونها اللدن
وتغنى هزارها فرحاً كعشوق حدا به الشجن
حفل الشيب والشباب معاً وبتقديسك القمين عنوا
نحن بالروح للسودان فدى فلتدم أنت أيها الوطن

نضال العاملين عبر السنين: الأندية العمالية ودورها الاجتماعي والسياسي (1934-1956م)

في ذكرى الاستقلال يناير 2010م (2-3)
نضال العاملين عبر السنين: الأندية العمالية ودورها الاجتماعي والسياسي (1934-1956م)


"وكما وجدت الحركة الوطنية في مؤتمر الخريجين الأساس بل والديمنو المحرك، وجدت الحركة النقابية ركائزها وبواعثها في الأندية العمالية."

توطئة:
المشهد السياسي بالبلاد (1924 ـ 1929)م :
بعد أن اتضح للبريطانيين أن الشباب من الأفندية كانوا وراء أحداث عام 1924م، اخذوا في وضع سياسات لقمعهم واحتوائهم حتى يتحقق الاستقرار السياسي بالبلاد، ومن ثم عملوا على إغلاق المؤسسات التي تعمل على تأهيلهم كمدرسة الإدارة والكلية الحربية، كما أوقفت الحكومة الابتعاث إلى بيروت ولم تفتح أي مدرسة في شمال السودان في تلك الفترة. وهكذا ولدى إلحاق الهزيمة بثورة 1924م انطفأت جذوة الروح الوطنية المناضلة.
خاصة وقد أضحى القادة أما رهن السجون أو الاغتراب بمصر. وما زاد الأمر ضغثاً على أبالة رحيل الضباط والمآمير والمدنين المصرين مما عنى -بالضرورة ومن ناحية عملية- غياب أي اثر للنفوذ المصري بالبلاد، الأمر الذي حرم الوطنيين السودانيين من حلفائهم ومؤيدهم الأقوياء والذين كانوا السبب المباشر لاتصالهم بالعالم الخارجي. لكل هذا تحقق السودانيون وقتئذٍ أن عليهم الاعتماد على جهودهم الخاصة في مواجهة الإدارة البريطانية. ومن ثم انحصر نشاطهم في رحاب نوادي الخريجين ودوائر الجمعيات والحلقات الأدبية، بعد أن أيقنوا أن إستراتيجيتهم القديمة إستراتيجية المواجهة لم تعد تجدي فالتفوا حول شعار (السودان للسودانيين) خصماً على حساب الشعار السابق (وحدة وادي النيل).
والشاهد أنه بعد ثورة 1924م، تلاشى النشاط السياسي بالبلاد. أما الحكومة فقد مضت في مساعيها الرامية لتحجيم دور الطبقة المتعلمة وذلك بالاعتماد في حكم البلاد على المؤسسة القبلية أو ما يسمى (بالإدارة الأهلية) ممثلة في نظار القبائل والعمد. وكان الحاكم العام الجديد (السير جون مفي (1927 ـ 1933)م والسكرتير الإداري السير هاردولو ماكمايكل. هما المهندسان الأساسيان لتلك السياسة. ففي عام 1927م صدر قانون سلطات المشايخ، ليشمل كل زعماء القبائل وفي 1932م صدر قانون (المحاكم الأهلية) الذي أعطى أولئك الزعماء نفوذاً قضائياً كبيراً.
وعلى صعيد آخر فقد شهدت البلاد فيما بين (1925 ـ 1929)م خمس سنوات سمان. درت رخاءً ويسراً الأمر الذي حد كثيراً من عوامل السخط والتبرم بين الوطنيين. وآية ذلك انه بحلول عام 1925م بدأت صفحة جديدة في تاريخ السودان. فباكتمال خزان سنار وإنشاء مشروع الجزيرة. والذي اعتمد في نموه وازدهاره بصفة أساسية على خدمات السكة الحديد. يكون قد تم وضع أسس التطور الاقتصادي. ففي ذلك العام المشهود بدأ المشروع أول موسم له لإنتاج القطن وذلك بزراعة 300.000 فدان من أراضي الجزيرة قطنا. وقد فتح المشروع قنوات جديدة للتقدم والرفاهية وآية ذلك أن أمد البلاد بالمحاصيل النقدية والغذائية الأمر الذي حد من خطر المجاعات. وقد قفزت الصادرات فبلغت قيمتها خمسة ملايين من الجنيهات في عام 1926م كما وصلت قيمة التجارة الخارجية قمتها في عام 1929م حيث بلغت13.665.000جنيه. وقد تجلى ذلك اليسر أيضا في ازدياد عدد السودانيين الذين التحقوا بالوظائف المدنية بنسبة 50%.
الأندية العمالية: النشأة والتطور:
شهدت سنوات النصف الأول من الثلاثينات من القرن العشرين تطوراً هاماً تمثل في قيام الأندية العمالية في كل من عطبرة 1934م والخرطوم 1935م وبعض المدن الكبرى. وكان قيامها حافزاً لظهور العمال الصناعيين كطبقة واعية، فقد هيأت لها منبراً لتعبر عن آمالها بقيام تلك المنتديات التي لا يقتصر نشاطها على النواحي الاجتماعية والثقافية فحسب. ذلك أن الأزمة الاقتصادية العالمية (1929 ـ 1934)م قد أثرت في حياة الناس وطبقة العمال بوجه خاص. وكانت نتائجها سيئة على أوضاع العمال المعيشية، ومن ثم فإنها أصبحت في عطبرة -مركز السكة الحديد- دافعاً للعمال للتكتل والانتظام في مجموعات علهم يجدون مخرجاً من أوضاعهم السيئة، ولهذا ظهرت لأول مرة فكرة الأندية العمالية. وعلى صعيد آخر فقد كان من مفارقات تلك الأزمة رغم ضراوتها انها تمخضت عن ناحية ايجابية هامة، إذ نتج عنها فائدة واضحة للعمالة السودانية في موقف السكة الحديد، وآية ذلك أن حكومة المستعمر وجدت نفسها مضطرة في عام 1932م إلى تخفيض القوى العاملة أملاً في تخفيض المصروفات والشاهد انه بجلاء العمال الأجانب والذين كان بعضهم يحتل مواقع هامة وحساسة، برزت أهمية تدريب السودانيين وبالسرعة المطلوبة حتى يحلوا محل أولئك الأجانب. وهكذا يمكن القول أن الأزمة الاقتصادية قد أسهمت في تسريع عملية السودنة في موقف السكة الحديد.
والحقيقة أن تيار السودنة وجد دفعة قوية في الثلاثينات بفضل السياسة التي انتهجها الحاكم العام (السير جورج ستيورات سايمز 1934 ـ 1940)م في مجال الإصلاح الإداري والتي غدت بمقتضاها سودنة الخدمة المدنية من الأهداف الرئيسية في سياسته. وأطلق سايمز على تلك السياسة سياسة التنازل عن السلطة عن طريق تخفيض البيروقراطية البريطانية. هذا وقد كرست معاهدة أغسطس 1936م بين مصر وبريطانية تلك السياسة وأعطتها مبرراتها القانونية حينما أكدت وجوب تفضيل السودانيين بالنسبة للتعيين في الوظائف الحكومية، وأن الهدف الرئيسي للحكم الثنائي هو رفاهية السودانيين. وهكذا تسارعت خطوات السودنة منذ الحرب العالمية الأولى وتزايد إيقاعها بعد ثورة 1924م وازدادت رسوخاً في الثلاثينات من القرن العشرين. وقد أدى بلا شك إلى ازدياد حج الطبقة العاملة الحضرية الأمر الذي دفعها للتكتل والتجمع وكان أن وجدت الأندية العمالية.
وكانت البداية كما أسلفنا في أول عام 1934م حين افتتح دار خريجي المدارس الصناعية في عطبرة في منزل سكني متواضع صدقت به إدارة السكة الحديد وهي أول نادي عمالي في السودان. وسرعان ما كون الأعضاء جمعية أدبية وفرقة للتمثيل. وعلى مر الأيام تكون في رحاب تلك الدار مجتمع عمالي على درجة رفيعة من الانضباط والسلوك المتحضر، وغدت مركزاً للإشعاع الثقافي لابد أن يغشاها كل زائر للمدينة من رجالات الفكر والأدب والسياسة.
الانجازات السياسية والاجتماعية:
وهكذا بدأ العمال يتجمعون في تلك الأندية في عطبرة وغيرها من المدن الكبرى يناقشون ويتدارسون أحوالهم وما يتصل بظروف عملهم. ومن ثم أصبحت تلك الأندية بمثابة المراكز الضرورية لجميع نشاطات العمال الترفيهية والثقافية والاجتماعية في الظاهر، والسياسية في الخفاء. وكان لا بد من أهم مظاهر ذلك النشاط إصدار الصحف الحائطية وتنظيم حلقات محو الأمية والفصول المسائية لتعليم اللغتين العربية والانجليزية، فضلاً عن المحاضرات والندوات والاحتفالات الدينية والقومية. هذا بجانب ما وجد بتلك الأندية من أجهزة الراديو والمكتبات ووسائل الترفيه والتسلية.
ولقد حققت تلك الأندية انجازين هامين خلال الأربعينات:
إنشاء أول مكتبة عمالية في تاريخ السودان وذلك عام 1945م بنادي العمال بالخرطوم. ضمت كتب عمالية عن النقابات البريطانية مترجمة بالعربية وبعض الكتب حول التشريعات العمالية من مصر وبقية الأندية العمالية بعواصم الأقاليم.
وكان الانجاز الآخر في ميدان الصحافة، إذ صدرت مجلة العامل السوداني أيضا في عام 1945م من لجنة نادي العمال بالخرطوم كأول صحيفة عمالية بالسودان.
وبفضل ذلك تمكن العمال من التجمع والالتفاف حول بعضهم البعض ومن ثم التخطيط لأعمال جماعية ضد الاستعمار ونظمه في مجال العمل والعمال.
والشاهد أن العمال قد أضحى لهم منذ الثلاثينات منابر شرعية لها قياداتها المستنيرة والتي قامت من خلال ذلك النشاط بذات الدور الذي ظلت تقوم به أندية الخريجين وسط الجماهير.
فكما وجدت الحركة الوطنية في مؤتمر الخريجين الأساس بل الدينمو المحرك وجدت الحركة النقابية ركائزها وبواعثها في الأندية العمالية.
لقد كان العمال ومؤسساتهم النضالية أحد الشواهد الحية على صدق ما قيل، يمكن أن النتائج النهائية تشييد السكك الحديدية والتحسين المستمر في وسائل المواصلات كانت غير متوقعة (ذلك أن التحسين الذي أدى في بداية الأمر لامتلاك المستعمرات، قد ساعد في نهاية الأمر في خلق الأسباب والظروف التي عصفت بالاستعمار والمستعمر).
استراحة العدد :
عطبرة
للشاعر / محمد أحمد (لومبا)
مرات غضوبة مكشرة
مرات طروبة مبشرة
مرات .. بتطغى
ومرات .. بتصغى مفكرة
يا بلد كفاحه عبّد دروب
وشيد مدن .. ومدن وقرى..
بلد الجمال ...
بلد النضال .. والمقدرة
يا عطبرة
يا عطبرة .. الصوت الجهور
الماتراجع .. وما وقف
يا عطبرة .. العزم الصبور
البي هموم الناس نزف
يا عطبرة .. السيف والكتاب
والريشة والوتر العزف
يا العطبراوي العانق النيل وائتلف
فلق الصباح يا عطبرة
والليل رحل
والله أكبر في المآذن
وشّح الآفاق أمل
ودوّت صفافير الورش
تدعو المناضلين للعمل
وتصاعدت كتل الدخان
ممزوجة بالعرق النزل
مشهد كفاح في كل يوم
عبر الزمان مجدو اتصل

والليلة .. يا بلد الجمال
وقعّنا لحسنك غنا
ما انتي اديتي الوطن
لحن الغنا .. وعرق البنا
قابلنا كتب المنبثق
أحرف حزينة محننة
ولسع يشدو حسن خليفة
(لن نحيد يا ستنا)

ونغني نحن غنا الهيام
للشاطي للداخلة النضيرة
ولي حدايق السودنة
لبناتك السمحات سماحة
هن من سماحتك مننا
والكادحين لمان يعودوا
في الأمسيات من العنا
برتاحو في نغمة حنان
تشفي الجروح المزمنا...

المؤلف

صورتي
عطبرة, نهر النيل, Sudan
مؤرخ وأستاذ مادة التاريخ بالجامعات السودانية