الخميس، 14 يناير، 2010

نضال العاملين عبر السنين: الأندية العمالية ودورها الاجتماعي والسياسي (1934-1956م)

في ذكرى الاستقلال يناير 2010م (2-3)
نضال العاملين عبر السنين: الأندية العمالية ودورها الاجتماعي والسياسي (1934-1956م)


"وكما وجدت الحركة الوطنية في مؤتمر الخريجين الأساس بل والديمنو المحرك، وجدت الحركة النقابية ركائزها وبواعثها في الأندية العمالية."

توطئة:
المشهد السياسي بالبلاد (1924 ـ 1929)م :
بعد أن اتضح للبريطانيين أن الشباب من الأفندية كانوا وراء أحداث عام 1924م، اخذوا في وضع سياسات لقمعهم واحتوائهم حتى يتحقق الاستقرار السياسي بالبلاد، ومن ثم عملوا على إغلاق المؤسسات التي تعمل على تأهيلهم كمدرسة الإدارة والكلية الحربية، كما أوقفت الحكومة الابتعاث إلى بيروت ولم تفتح أي مدرسة في شمال السودان في تلك الفترة. وهكذا ولدى إلحاق الهزيمة بثورة 1924م انطفأت جذوة الروح الوطنية المناضلة.
خاصة وقد أضحى القادة أما رهن السجون أو الاغتراب بمصر. وما زاد الأمر ضغثاً على أبالة رحيل الضباط والمآمير والمدنين المصرين مما عنى -بالضرورة ومن ناحية عملية- غياب أي اثر للنفوذ المصري بالبلاد، الأمر الذي حرم الوطنيين السودانيين من حلفائهم ومؤيدهم الأقوياء والذين كانوا السبب المباشر لاتصالهم بالعالم الخارجي. لكل هذا تحقق السودانيون وقتئذٍ أن عليهم الاعتماد على جهودهم الخاصة في مواجهة الإدارة البريطانية. ومن ثم انحصر نشاطهم في رحاب نوادي الخريجين ودوائر الجمعيات والحلقات الأدبية، بعد أن أيقنوا أن إستراتيجيتهم القديمة إستراتيجية المواجهة لم تعد تجدي فالتفوا حول شعار (السودان للسودانيين) خصماً على حساب الشعار السابق (وحدة وادي النيل).
والشاهد أنه بعد ثورة 1924م، تلاشى النشاط السياسي بالبلاد. أما الحكومة فقد مضت في مساعيها الرامية لتحجيم دور الطبقة المتعلمة وذلك بالاعتماد في حكم البلاد على المؤسسة القبلية أو ما يسمى (بالإدارة الأهلية) ممثلة في نظار القبائل والعمد. وكان الحاكم العام الجديد (السير جون مفي (1927 ـ 1933)م والسكرتير الإداري السير هاردولو ماكمايكل. هما المهندسان الأساسيان لتلك السياسة. ففي عام 1927م صدر قانون سلطات المشايخ، ليشمل كل زعماء القبائل وفي 1932م صدر قانون (المحاكم الأهلية) الذي أعطى أولئك الزعماء نفوذاً قضائياً كبيراً.
وعلى صعيد آخر فقد شهدت البلاد فيما بين (1925 ـ 1929)م خمس سنوات سمان. درت رخاءً ويسراً الأمر الذي حد كثيراً من عوامل السخط والتبرم بين الوطنيين. وآية ذلك انه بحلول عام 1925م بدأت صفحة جديدة في تاريخ السودان. فباكتمال خزان سنار وإنشاء مشروع الجزيرة. والذي اعتمد في نموه وازدهاره بصفة أساسية على خدمات السكة الحديد. يكون قد تم وضع أسس التطور الاقتصادي. ففي ذلك العام المشهود بدأ المشروع أول موسم له لإنتاج القطن وذلك بزراعة 300.000 فدان من أراضي الجزيرة قطنا. وقد فتح المشروع قنوات جديدة للتقدم والرفاهية وآية ذلك أن أمد البلاد بالمحاصيل النقدية والغذائية الأمر الذي حد من خطر المجاعات. وقد قفزت الصادرات فبلغت قيمتها خمسة ملايين من الجنيهات في عام 1926م كما وصلت قيمة التجارة الخارجية قمتها في عام 1929م حيث بلغت13.665.000جنيه. وقد تجلى ذلك اليسر أيضا في ازدياد عدد السودانيين الذين التحقوا بالوظائف المدنية بنسبة 50%.
الأندية العمالية: النشأة والتطور:
شهدت سنوات النصف الأول من الثلاثينات من القرن العشرين تطوراً هاماً تمثل في قيام الأندية العمالية في كل من عطبرة 1934م والخرطوم 1935م وبعض المدن الكبرى. وكان قيامها حافزاً لظهور العمال الصناعيين كطبقة واعية، فقد هيأت لها منبراً لتعبر عن آمالها بقيام تلك المنتديات التي لا يقتصر نشاطها على النواحي الاجتماعية والثقافية فحسب. ذلك أن الأزمة الاقتصادية العالمية (1929 ـ 1934)م قد أثرت في حياة الناس وطبقة العمال بوجه خاص. وكانت نتائجها سيئة على أوضاع العمال المعيشية، ومن ثم فإنها أصبحت في عطبرة -مركز السكة الحديد- دافعاً للعمال للتكتل والانتظام في مجموعات علهم يجدون مخرجاً من أوضاعهم السيئة، ولهذا ظهرت لأول مرة فكرة الأندية العمالية. وعلى صعيد آخر فقد كان من مفارقات تلك الأزمة رغم ضراوتها انها تمخضت عن ناحية ايجابية هامة، إذ نتج عنها فائدة واضحة للعمالة السودانية في موقف السكة الحديد، وآية ذلك أن حكومة المستعمر وجدت نفسها مضطرة في عام 1932م إلى تخفيض القوى العاملة أملاً في تخفيض المصروفات والشاهد انه بجلاء العمال الأجانب والذين كان بعضهم يحتل مواقع هامة وحساسة، برزت أهمية تدريب السودانيين وبالسرعة المطلوبة حتى يحلوا محل أولئك الأجانب. وهكذا يمكن القول أن الأزمة الاقتصادية قد أسهمت في تسريع عملية السودنة في موقف السكة الحديد.
والحقيقة أن تيار السودنة وجد دفعة قوية في الثلاثينات بفضل السياسة التي انتهجها الحاكم العام (السير جورج ستيورات سايمز 1934 ـ 1940)م في مجال الإصلاح الإداري والتي غدت بمقتضاها سودنة الخدمة المدنية من الأهداف الرئيسية في سياسته. وأطلق سايمز على تلك السياسة سياسة التنازل عن السلطة عن طريق تخفيض البيروقراطية البريطانية. هذا وقد كرست معاهدة أغسطس 1936م بين مصر وبريطانية تلك السياسة وأعطتها مبرراتها القانونية حينما أكدت وجوب تفضيل السودانيين بالنسبة للتعيين في الوظائف الحكومية، وأن الهدف الرئيسي للحكم الثنائي هو رفاهية السودانيين. وهكذا تسارعت خطوات السودنة منذ الحرب العالمية الأولى وتزايد إيقاعها بعد ثورة 1924م وازدادت رسوخاً في الثلاثينات من القرن العشرين. وقد أدى بلا شك إلى ازدياد حج الطبقة العاملة الحضرية الأمر الذي دفعها للتكتل والتجمع وكان أن وجدت الأندية العمالية.
وكانت البداية كما أسلفنا في أول عام 1934م حين افتتح دار خريجي المدارس الصناعية في عطبرة في منزل سكني متواضع صدقت به إدارة السكة الحديد وهي أول نادي عمالي في السودان. وسرعان ما كون الأعضاء جمعية أدبية وفرقة للتمثيل. وعلى مر الأيام تكون في رحاب تلك الدار مجتمع عمالي على درجة رفيعة من الانضباط والسلوك المتحضر، وغدت مركزاً للإشعاع الثقافي لابد أن يغشاها كل زائر للمدينة من رجالات الفكر والأدب والسياسة.
الانجازات السياسية والاجتماعية:
وهكذا بدأ العمال يتجمعون في تلك الأندية في عطبرة وغيرها من المدن الكبرى يناقشون ويتدارسون أحوالهم وما يتصل بظروف عملهم. ومن ثم أصبحت تلك الأندية بمثابة المراكز الضرورية لجميع نشاطات العمال الترفيهية والثقافية والاجتماعية في الظاهر، والسياسية في الخفاء. وكان لا بد من أهم مظاهر ذلك النشاط إصدار الصحف الحائطية وتنظيم حلقات محو الأمية والفصول المسائية لتعليم اللغتين العربية والانجليزية، فضلاً عن المحاضرات والندوات والاحتفالات الدينية والقومية. هذا بجانب ما وجد بتلك الأندية من أجهزة الراديو والمكتبات ووسائل الترفيه والتسلية.
ولقد حققت تلك الأندية انجازين هامين خلال الأربعينات:
إنشاء أول مكتبة عمالية في تاريخ السودان وذلك عام 1945م بنادي العمال بالخرطوم. ضمت كتب عمالية عن النقابات البريطانية مترجمة بالعربية وبعض الكتب حول التشريعات العمالية من مصر وبقية الأندية العمالية بعواصم الأقاليم.
وكان الانجاز الآخر في ميدان الصحافة، إذ صدرت مجلة العامل السوداني أيضا في عام 1945م من لجنة نادي العمال بالخرطوم كأول صحيفة عمالية بالسودان.
وبفضل ذلك تمكن العمال من التجمع والالتفاف حول بعضهم البعض ومن ثم التخطيط لأعمال جماعية ضد الاستعمار ونظمه في مجال العمل والعمال.
والشاهد أن العمال قد أضحى لهم منذ الثلاثينات منابر شرعية لها قياداتها المستنيرة والتي قامت من خلال ذلك النشاط بذات الدور الذي ظلت تقوم به أندية الخريجين وسط الجماهير.
فكما وجدت الحركة الوطنية في مؤتمر الخريجين الأساس بل الدينمو المحرك وجدت الحركة النقابية ركائزها وبواعثها في الأندية العمالية.
لقد كان العمال ومؤسساتهم النضالية أحد الشواهد الحية على صدق ما قيل، يمكن أن النتائج النهائية تشييد السكك الحديدية والتحسين المستمر في وسائل المواصلات كانت غير متوقعة (ذلك أن التحسين الذي أدى في بداية الأمر لامتلاك المستعمرات، قد ساعد في نهاية الأمر في خلق الأسباب والظروف التي عصفت بالاستعمار والمستعمر).
استراحة العدد :
عطبرة
للشاعر / محمد أحمد (لومبا)
مرات غضوبة مكشرة
مرات طروبة مبشرة
مرات .. بتطغى
ومرات .. بتصغى مفكرة
يا بلد كفاحه عبّد دروب
وشيد مدن .. ومدن وقرى..
بلد الجمال ...
بلد النضال .. والمقدرة
يا عطبرة
يا عطبرة .. الصوت الجهور
الماتراجع .. وما وقف
يا عطبرة .. العزم الصبور
البي هموم الناس نزف
يا عطبرة .. السيف والكتاب
والريشة والوتر العزف
يا العطبراوي العانق النيل وائتلف
فلق الصباح يا عطبرة
والليل رحل
والله أكبر في المآذن
وشّح الآفاق أمل
ودوّت صفافير الورش
تدعو المناضلين للعمل
وتصاعدت كتل الدخان
ممزوجة بالعرق النزل
مشهد كفاح في كل يوم
عبر الزمان مجدو اتصل

والليلة .. يا بلد الجمال
وقعّنا لحسنك غنا
ما انتي اديتي الوطن
لحن الغنا .. وعرق البنا
قابلنا كتب المنبثق
أحرف حزينة محننة
ولسع يشدو حسن خليفة
(لن نحيد يا ستنا)

ونغني نحن غنا الهيام
للشاطي للداخلة النضيرة
ولي حدايق السودنة
لبناتك السمحات سماحة
هن من سماحتك مننا
والكادحين لمان يعودوا
في الأمسيات من العنا
برتاحو في نغمة حنان
تشفي الجروح المزمنا...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المؤلف

صورتي
عطبرة, نهر النيل, Sudan
مؤرخ وأستاذ مادة التاريخ بالجامعات السودانية