محتويات الموقع

الخميس، 10 ديسمبر، 2009

في الكلام السوداني

مرآة التاريخ – رؤيا ورسالة
في الكلام السوداني


إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان علي الفؤاد دليلاً

مدخل:

الأهازيج أو الأراجيز أو المنولوج عبارة عن مقطوعات ملحنة بنغم.. بين الغناء والإنشاد، يدندن بها قائلها أو مرددها مع نفسه وأحياناً بصوت مسموع للآخرين.. وقد تكون بغرض تحقيق لعبة أو قد تكون لذاتها أو غيره ذلك في تصنيفات الأهزوجة المتعددة.وهي بذلك أدب تعبيري أو شفاهة "جزء في الفلكلور الشعبي العام". وهي ضمن المواد الشفهية التي لم تطرق بالتدوين أو التحليل أو النقد. وتبرز أهمية الأهازيج في تمثيلها للبيئة بالصوت والصورة فيكتسب بها الطفل ثقافة سريعة ومختلفة وتعطيه نتائج ايجابية وعالية في التعليم والتعلم. وتشمل الأهزوجة حتى الكبار في السن "رجال أم نساء"

فوائد الأهازيج:
1. التعليم:

تحقق الأهازيج وسيلة أساسية ومنهجية نفسية في تعليم وتلقين الطفل، وذلك لأنها تبدأ قبل السلم التعليمي وفي مرحلة البدء بالنطق والكلام.. بتهيئة الطفل للسماع أو الاستيعاب.. ليتبادل الأطفال الأدوار بعدها كآباء أو أمهات يمزجون أو يهزجن لأبنائهم.
2. المتعة والحيوية في أداء الأعمال:

تحقق الأهازيج إنتاجية عالية في أداء جميع الأعمال دون فتور أو ملل.. والشعور الدائم بالرضا.. ومن ذلك أهازيج ورود الماء "هوي جيب لي المي.. جيب لي المي" وفي الحصاد يرددون: "دق العيش موهبيش.. أكرب زندك يا أبوكريش" "دق العيش في القمرا شراه يجيك ناراً حمرا" ويدخل في ذلك ما يقوله النوتية أو ما تقوله النساء عند الطحين والعواسة.. الخ.

3. توفير وسيلة مرح:

وذلك لما تحويه الأهازيج من طرف وفرح يتيح لك التسلية والترويح مع النفس: " اللقمة وملاح الروب خلن عقلي زى الطوب" وغير أو مع الآخرين: "نحن ثلاثة أولاد أبو.. البير طويلة والدولو صغير ما يملا السقو"
4. عرض الأفكار:

لان الأهازيج وسيلة اتصال جماهيري، فهي سريعة ومقبولة تحقق فعاليتها سواء أكانت عابرة "كهتاف تظاهرة" مثلاً، أو عبارة تثبت لتأخذ بذلك حكم العادة: "نحن قبيل شن قلنا.. ما قلنا الطير بياكلنا" كان ذلك نقداً للنوبة في حربهم مع الكردفانيين لأن الحرب استمرت زمناً طويلاً وكان الضرر فادحاً. ومنها "شفنا الموت وبشرنا..وعدونا الشافنا ما تهنا" والتي يرددها العساكر في جلالتهم. وهي أهزوجة قديمة ترجع إلي عهد دولة الفونج.
5. توصيل وإقرار نموذج لنمط أو سلوك أنساني معين:

وغالباً ما يكون هذا السلوك مقبولاً. ولكن الأهزوجة تهيئة ليصبح واقعاً غير مرفوض سواء للفرد "جيت اتفرج فرجوني.. قطعوا رويسي وحيروني" أو المجموعة: "الما بجر الميس.. أمو تنقلب كديس" ليستجيب الأطفال لعمل خط اللعب.

تصنيفات الأهزوجة:

الأهزوجة التعليمية:

تبدأ مع الطفل الرضيع كمرحلة أولي ثم تتدرج المرحلة لتصل حتى سنين متأخرة في عمر الطفل. ففي مرحلة الروضة أو الخلوة تقرب للطفل المعلومة لتصله سهلة وميسرة يستعين بهما علي الحفظ وأداء الواجب أو التكيف الاجتماعي أو الرضا الذاتي، سواء كان ذلك عن طريق التلقين أو الترديد أو المنولوج أو التعاليم المستوحاة في الأهزوجة، مما يخلق للطفل فائدة في المحتوي "اللغوي والأخلاقي".. فتقرب للطفل ما يسمعه وتحببه فيه وتقرب إليه المقصود. ويمكن اختصار هذه المرحلة في الآتي:

أ‌. مرحلة الطفل الرضيع:

تقال الأهزوجة لتدليل الطفل الرضيع أو تعويده علي الأصوات لينطلق بها لسانه ومنها:

اللولي:

وهي دعوة الصغير للنوم أو التدليل، فنقول.. الأم: وهي تحتضنه وتحركه هادئة مع الإيقاع "النوم النوم.. النوم تعال سكت الجهال.. بكريك بريال تعال.. عندي ليك خبراً فال.. النوم النوم.. بكريك بالدوم.. دومتين حلوات دومتين مرات. النوم النوم.. ولدي الغالي.. البستر حالو وحالي.. ونحوه. ثم هنالك طرقعة الأصابع وهي تدليل الطفل طرقعة أصابعه من قبل الأم أو من ينوب عنها، بادئة بالمسح علي راحة اليد ثم الأصبع الصغير "الخنصر" وتقول: "دا صغير شاطر، ودا لباس الخاتم، ودا كبير عوير، ودا لحاس الدهنية، ودا قصاع القميلة.. وذلك بالترتيب إنتهاء بالإبهام، فتختلف تميزاً للطفل لتتدرج المرحلة. أما "أم أحمد" فهي لعبة صفتها أن يمدد الطفل رجليه وتقوم الأم بالترتيب عليها بدءاً بالرجل اليمني ويمتد كل مقطع تقفز للرجل الأخرى وتقول: "يا أم أحمد – دقي المحلب – في توب أحمد – أحمد غائب – في الركائب – جانا كلب – سنونو صفر – حلب الناقة – في الشنقاقة – واتعشابا – أولاد مسعود – التسعة قرود – بتريد أمك ولا أبوك؟!".وعند انطلاق لسان الطفل تكثف له اللغة ومادة الحوار مثل: يالطالع الشدرة "الشجرة" جيب لي معاك بقرة.. حلابة العشرة.. تحلب تعشيني.. بصحانه الصيني.. الصيني ينكسر.. وأنا مين يعشيني.. مشيت لي بيت الله.. لقيت حبيب الله.. قاعد له في بنبر.. قدامو الحمام أخضر.. يسقيه في سكر.. أرتني كان ضقتو.. حتى الرسول زرتو. وأيضاً: دوها يادوها! وهي أهزوجة تمثل لغزاً حوارياً وتسلسلاً منطقياً وطبيعياً بخلق للطفل ذكاءً وتفتحاً.. دوها يادوها.. بئر زمزم فجوها.. جو الحجاج شربوها.. سيد سافر ما جاء.. وجاب لي حتة كعكة.. والكعكة جوه المخزن.. والمخزن ماليه مفتاح.. والمفتاح عند النجار.. والنجار عاوز فلوس.. والفلوس عند السلطان.. والسلطان داير عروس.. والعروس دايره المنديل.. والمنديل عند الجهال.. والجهال عايزين لبن.. واللبن عند البقر.. والبقر داير حشيش.. والحشيش تحت الجبل.. والجبل داير مطر.. والمطر عند ربنا.. ربنا نحن صغار شن ذنبنا.. ياصغار وياكبار.. صلوا علي النبي المختار.. باب الجنة علي الإسلام.. وباب النار علي الكفار.. ونحن وراهم بالحجار. وقد تهدف الأهزوجة في هذه المرحلة للنوعية والتوجيه.. من ذلك حث الصبي علي النظافة وذلك بالسخرية: "طه الدلاها.. عيونو بي قضاها.. لي الصباح ما قشاها" أو نهيه عن الكذب "الكضاب ما بنريدو.. السكين تقطع أيدو".

ب‌. مرحلة الخلوة:

وعن هذه المرحلة يورد الأستاذ الطيب محمد الطيب في كتابه المسيد: أن الشيوخ يقربون العلم للحوار بالأهازيج "النغمة والسجعة".. إذ أنها أسلوب محبب للأطفال وتعليمي ويقوم اللسان. من ذلك الحيران علي سبيل المزاج: "السبت سبوت.. والأحد نبوت.. والاثنين بابين.. والثلاثاء عمارة.. والأربعاء كرامة.. والخميس صفقة ورقيص للحيران المطاميس. وقد يضيفون: وجانا السبت ود الحرام قمحنا.. الفكي شال السوط وسلخنا" … الخ.

الأهزوجة اللعبيه:

تدخل هذه الأهازيج في الألعاب كمادة أساسية.. "فقد تكون أساس اللعبة أهزوجة" أو تكون ثانوية مكملة للعبة. وفي لعبة مثلاً يهزج الصبية مع اللعبة بقوطم: "الطير الخداري.. أب ريشاً براري.. جهينة حاربونا.. شدوا زملهم جونا.. زملهم بالكسارة" أو يقولون أيام الخريف: "الله خلق للنعجة ضنب.. الكوم بقرش.. والعفشة بلاش.." ويمازحون من يلعب مع البنات من الأولاد بقولهم: "لعاب البنوت.. العجيل المربوط.. يرعي في الحنتوت" أو العكس لمن تعلب من البنات مع الأولاد يقولون لها: "محمد ولد.. لباسو انشرط.. في شارع الظلط"

أهازيج الحصاد والرعي:

تقال هذه الأهازيج لتخفيف العبء وللتسلية وتمضية الوقت ومنها أهزوجة "دق العيش" المذكورة آنفاً. وقد تأخذ الأهزوجة هنا شكل المسدار نحو: "البارح القريبة وقعت علي نصيبه.. عتيد الحب اتدرع أم حبيبة" أو زراعة ناس أبوك للأرض.. فرقتا وست أم فرقداً مسامير جزمه.. كل ما اطراكي تتلكلك علي الخدمة. والرعاة يرددون عند جز صوف الغنم: "جزيناك بي مقص.. مراحك زاد ما نقص.. جزيناك بي سكين.. تلدي ستة وستين.. العنقات بناتك.. والبركة في أماتك".

الأهزوجة على لسان الحيوان:

يعتقد الأطفال أن الحيوانات قديماً كانت تتكلم فيحاورونها ويخاطبونها بأهازيج يقولون أن هذه لغتها أو ينسبونها إليها فمثلاً يقولون: "السمبرية أم قدوم..عيش أبوك متين يقوم؟ يقوم باكر مع العساكر".. أو يقولون: "أم قيردون يالحاجة.. ولدك عريس يالحاجة.. كل سنة داجة.

الأهزوجة الطقسية:

وهي عبارة عن دعاء وتعاويذ تقال في أوقات أو عند طقوس معينة.. ومنه قولهم: "ياحافظ ياحفيظ.. ياحافظ الموية في البير.. وياحافظ السيف في الجفير.. وياحافظ المخ في القصير.. وياحافظ اللبن في ضرع أمو.. وياحافظ الجني في بطن المرة.. وياحافظ العش في الشدر "الشجر".. والموية فوق ضهر الحجر.. وياحافظ البيضة في سهوب الخلا.. تحفظنا من كل بلا.. وعند التهنئة بالعيد يقولون: "يالهلال هلال مبارك.. ساعد بنياتنا.. ونجح وليداتنا.. وجبر كريعاتنا.. وفتح عويناتنا.. شهراً أبرك وأخير علي الفات".

الأهازيج المرتبطة بالأكل والشرب:

بحيث تكون صفة لها أو تعليقاً عليها ونحوه وفيها: البليلة أم ملحاً ظريف.. حبة لوبة.. وحبة عيش ريف.. الفتة أم توم الحمتنا النوم.. الفتة أم شطة.. الحمتنا النطة" أو "الرز مردوم عند ناس كلتوم" وعن الشاي يقولون: "البا نجقلي شرابه مر.. حلاة الشاي بالتمر"… الخ.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المؤلف

صورتي
عطبرة, نهر النيل, Sudan
مؤرخ وأستاذ مادة التاريخ بالجامعات السودانية