محتويات الموقع

الأربعاء، 9 ديسمبر، 2009

العمارة الدينية: إحدى أهم مظاهر الثقافة المادية لمملكة الفونج

العمارة الدينية
إحدى أهم مظاهر الثقافة المادية لمملكة الفونج الإسلامية (1504 ـ 1821)م


توطئة:
تزخر مملكة الفونج بالعديد من الأدلة الأثرية والمادية وهي الفترة التي بلغت فيها أسلمة السودان قمتها حيث شهدت عدداً من التأثيرات الإسلامية الخارجية والتي أدت بدورها إلى وجود بعض الاختلافات في طبيعة هذه الأدلة. فبينما خضع الشمال نسبياً ولفترة طويلة للعثمانيين، نجد تأثير رعاة الإبل المسلمين في أواسط البلاد، كما نجد تأثيرات طريق الحج عبر السافنا إلى سنار وسواكن والذي ربما كان مستخدماً منذ القرن الرابع عشر الميلادي، هذا وتنوع المخلفات المادية في مملكة الفونج والتي تشمل العمارة المدنية كالقصور والمنازل والعمارة الحربية كالقلاع والحصون والعمارة الدينية وتشمل المساجد والمسايد والخلاوي والزوايا والقباب.
العمارة الدينية:
المساجد:
كان المسجد منذ نشأته الأولى في صدر الإسلام مكاناً للتعبد والتعليم، وبانتشار الطرق الصوفية أخذ بعض المشايخ يعقدون به حلقات الذكر. وقد اهتمت المساجد بنشر تعاليم الدين الإسلامي حيث قام بعض العلماء بتدريس القرآن فقط، في حين انكب البعض الآخر على تعليم الفقه. هذا وقد جمعت بعض المساجد بين المنهجين. وتوجد بالسودان على وجه العموم مساجد أثرية معقدة البناء، فهي عادة متواضعة البناء وخالية من الزخارف المعمارية، ولعل أهم مسجد اثري في شمال السودان هو مسجد دنقلا العجوز الذي كان في الأصل بناء مسيحيا حول إلى مسجد في عام 1317م ومبناه من الطوب الني والأحمر.
وتعتبر دراسة عمارة المساجد في السودان من أصعب المسائل بسبب هشاشة المواد المستخدمة واعادة البناء المتكرر. ويمكن القول أن المساجد في السودان تأثرت بتأثيرات مختلفة حيث تأثرت في أقصى شمال السودان بالعمارة التركية والمصرية، اما في مناطق الشلال الرابع فنجد إشارة إلى عدد من المساجد في منطقة دنقلا العجوز والتي أسسها غلام الله بن عائد الركابي. أما في جنوب الشلال السادس فلا نجد سوى مسجد كترانج ومسيد ود عيسى. أما مسجد سنار فقد اتفق معظم الرحالة على بعض تفاصيله مثل: النوافذ ذات الشبك البرونزي والمآذن بالإضافة للمدخل الكبير للمسجد وهو عبارة عن قوس ثلاثي الفصوص. وقد اثبت المسح الأثرى وقوع المسجد في منطقة السكن الملكية إزاء الحدود الجنوبية للمدينة على بعد 285 متراً جنوب شرق السوق، والمسجد مدمر بأكمله مما يجعل أمر قياس أبعاده أمرا صعباً. ويبدو أن قياسه كان حوالي 10×15م وهو بذلك ليس كبيراً لمدينة بذلك الحجم. وهو بهذا لا يتسع سوى لمائة فرد حيث أن الحجم المثالي للمساجد الحديثة في السودان هو 15*15م. هذا ويشير وجود المحراب والمدخل واثار أعمدة الطوب المحروق إلى طراز إسلامي واضح والذي يبدوا من خلال الرسومات والصور وعموماً فقد اتسمت مساجد الفونج بالبساطة خاصة منطقة النيل الأوسط وذلك لتأثير المد الصوفي.
ب. المسايد:
كلمة مسيد من الكلمات التي لحقها الإبدال وهو أمر معروف في لهجات العرب وابدال الجيم ياءً معروف ومألوف في الماضي والحاضر. والمسيد لا يطلق في بلادنا على المسجد ولا على الجامع ولا على الزاوية، وانما ينصرف إلى المكان الذي يجمع مدرسة القرآن والمصلى والسكن وأحيانا مدافن الأولياء. فإذا اجتمعت هذه المناشط والاستخدامات المختلفة كان المسيد، أما إذا كانت مدرسة قرآن فقط فهي خلوة، ومن أقدم المسايد التي دونت مسيد الغريبة بالقرب من كورتي والمؤرخ إلى 1488م ومسيد (كلمسيد) بدنقلا وفي وسط السودان نجد مسيد (الجوير) ولقد أرخ إلى النصف الثاني من القرن السابع عشر وهو المعروف: بمسيد أولاد جابر كذلك وجدت مسايد في كردفان ودارفور وفي شمال السودان مثل: مسايد البديرية والدواليب. ويسمى المسيد في دارفور (مسيك).
ويعتمد المسيد في اقتصاده على الأراضي الزراعية التي توهب للشيوخ خاصة تلك التي وهبها ملوك الفونج للشيوخ. وبجانب ذلك اعتمدت موارده أيضا على بعض الصناعات المحلية التي يقوم بها الطلاب مثل صناعة الفخار والشالات والطواقي وغيرها. ويمكن القول إجمالا أن المسيد هو مكان للعبادة والعمل في نفس الوقت، وهو بذلك أشبه بزوايا السندسية في ليبيا حيث كان منتسبوها يقومون بفلاحة الأرض وتربية الماشية وعبادة الله سبحانه وتعالى.
ج. الخلاوي:
وبرزت الخلوة كمؤسسة تعليمية مميزة للسودان والخلوة أصلا مكان العبادة أي المكان الذي يختلي فيه العالم ليتعبد. ولكنها في السودان صارت مطابقة لمكان التدريس ومن هنا نشأت العلاقة والصلة بين التصوف والتعليم، فأصبحت بذلك الخلوة وظيفة تعبدية وتعليمية.
والخلوة عبارة عن مبنى من حجرة واحدة مؤسسة بمقعد واحد للفكي أو فروة كما يوجد بها مكان لوضع الألواح أما خارج الخلوة، فنجد التقابة ومكان غسل الألواح بالإضافة إلى الحبر الذي يصنع بواسطة الطلاب من الصمغ والسكن. أما الأداة التي يكتب عليها التلاميذ فهي ألواح من خشب نجرت من الحراز أو السنط في شكل مستطيل له مقبض من الجهة العليا وذيل من الجهة السفلى. أما الأداة التي يكتب بها في البوص أو القصب. ومن الكلمات المعروفة في قاموس الخلوة: (الشرافة) وهي ذلك التذويق الملون للأركان الأربعة من اللوح. والكلمة مأخوذة من مادة شرف شرفاً وشرافة وهي الرفعة وعلو الشأن وتمنح التلميذ عندما يحفظ جزءاً من القرآن الكريم. وهنالك مفردات يرددها الحيران في الخلوة مثل: "السبت سبوت، والأحد نبوت، والاثنين بابين، والثلاثاء عمارة، والأربعاء شرافة، والخميس صفقة ورقيص للحيران المطاميس، والجمعة سرحنا ومرحنا".
وكل شيء في محيط الخلوة يدار بواسطة التلاميذ الذين يشتركون في جمع الحطب لإيقاد النار، وفي جلب الماء من الآبار أو الأنهار، وفي نظافة الخلوة، و إعداد الطعام، وفي خدمة الضيوف، وفي احياء ليالي الأذكار والمدائح. وقد عمق ذلك لديهم الشعور بضرورة العمل الجماعي وأكثر من ذلك الجمع بين العبادة والعمل.
وعلى صعيد آخر، فقد ارتبطت خلاوي السودان بالحياة الاجتماعية وعبرت عن حياة الناس ونظرت في مشاكلهم، وآية ذلك أنها بجانب وظيفتها الأساسية كمكان لحفظ القرآن وتعليم القراءة والكتابة ومبادئ الدين، كانت مأوى للغرباء وداراً للشكوى ومكاناً للتقاضي ومنزلة للضيوف. وكانت بيئة الخلوة متخلفة للغاية وقد اتسم نظام العقاب فيها بقوة بالغة. ولم تكن تلك القوة نابعة من فظاظة في الطباع ولكنها تعزي للثقة الكبيرة في العقاب البدني لتربية الأطفال. فنجد (الفلقة وأم سعد الله). والحقيقة أن عملية التعليم لم تكن جذابة لأنها حفظ لأشياء غير مفهومة، وعليه فليس الحافز قوياً مما يجعل الفكي يلجأ إلى العقوبة البدنية. وهذه العقوبة كان لها وزن كبير في المجتمع آنذاك. وآية ذلك لاعتقاد السائد بان جسم الإنسان به عفريت كبير ولكي يخرج لابد من جلده بشدة.
ونخلص إلى القول أن الخلوة عبارة عن مدرسة قرآنية بدأت منذ قدوم غلام الله بن عائد الركابي في القرن الرابع عشر الميلادي في دنقلا العجوز واستمرت في عهد الفونج (خلاوي أولاد جابر) في القرن السادس عشر الميلادي والى المهدية حيث كانت المعهد التعليمي الوحيد في السودان بالرغم من قيام المدارس الحديثة في الخرطوم وبربر ودنقلا وسواكن وكسلا منذ عام 1863م وقد ظل تؤدي دورها التعليمي والاجتماعي في تحفيظ القرآن الكريم ودراسة العلوم الفقهية ونجدة الناس عموماً. وبالتالي صارت لبنات لكثير من قرى ومدن السودان مثل (دبة الفقراء) وقوز المطرق والعيلفون والدامر أبو حراز. هذا وقد استخدم في بنائها مواد سريعة الزوال لا تقوى على البقاء طويلاً.
د. الزوايا:
وهي من المباني الدينية التي تأثرت بنظام شمال افريقيا والزاوية هي مكان لاقامة الشيخ حيث نجدها في السودان تستخدم كذلك في المناسبات الاجتماعية. وقد ارتبطت في الفترات الأخيرة بالطرق الصوفية في أنحاء عديدة من مملكة سنار.
هـ. القباب:
بدأت القباب في الانتشار بصورة واضحة خلال مملكة الفونج، ولعلها من أهم الملامح المعمارية الباقية من تلك المملكة. وتختلف عن بقية العالم الإسلامي في إنها تضم فقط رفاة الشيخ، بينما في بقية العالم الإسلامي نجدها تضم أيضا الملوك والسلاطين مثلما نجد في قباب الأتراك جوار ميدان أبو جنزير بالخرطوم والتي تضم عدداً من الحكام والإداريين. وتعتبر القبة أحد أهم رموز الإسلام في السودان ولها أهمية معمارية تتمثل في إمكانية دخول الهواء والضوء إلى الداخل ونجدها اليوم تبنى لأغراض جمالية. وكلمة قبة هنا تعني الجزء العلوي المستدير حيث أطلق الجزء على الكل.
ونجد في السودان العديد من أنواع القباب، أكثرها انتشارا هو الشكل المخروطي، وهو الأكثر انتشاراً في دولة الفونج والذي نجد منه تنوعاً في الشكل ذو الثلاث درجات. وفي التركية (1821 ـ 1885)م ظهر نوع ثاني وهو الغرفة المربعة التي تعلوها القبة المخروطية بالإضافة للأبراج الموجودة في شرق السودان والتي لم يعرف مغزاها: هل هي قباب أم علامات طرق القوافل؟ وبالإضافة للقباب نجد أنواع من المدافن حيث نجد الغرفة المربعة أو المستطيلة المسقوفة وغير المسقوفة او ما يعرف (بالبنايات).
وتنتشر القباب بصورة واسعة في دولة الفونج في مناطق إقليم دنقلا مثل: دمبو، وكوية، ومشو، والتي بها مدافن الشيخ قرشي والشيخ عيسى ودكنو، كما تنتشر أيضا في مناطق كرمكول والدواليب ودبة الفقراء وقشابي، بالإضافة إلى أم بكول في منطقة الشايقية، حيث تختلف قباب الفونج عن بعضها في الشكل والحجم ومواد البناء وغيرها.
وبجانب القباب نجد العديد من المدافن الأخرى في سنار والتي تمتد لمسافات واسعة. وقد دفن بها عدد من الشيوخ: مثل الشيخ ود مختار، وود عيسى وود أبو زيد، ويوسف ود عدلان وغيرهم. وبينما نجد أن معظم الشيوخ في سنار عرفت مدافنهم، نجد أن لا أحد من الملوك معروف القبر.
ومن اشهر الجبانات جبانة الشيخ فرح ود تكتوك، في الضفة اليمنى (الشرقية) للنيل الأزرق إزاء سنار، وهي من الجبانات التي لازالت تستخدم حتى اليوم وتتيح فرصة فريدة لدراسة تطورها خلال الزمن المقدر لوفاة الشيخ فرح ود تكتوك أي منذ عام 1572م والحقيقة أن الدراسة الدقيقة لتطور هذه الجبانة توضح تداع في الالتزام الصارم لعادات الدفن الإسلامية التي يعتقد أنها مورست خلال سلطنة الفونج. فالمدافن المبكرة حول ود تكتوك بسيطة جداً وذات أسطح مستوية مع وجود صف من الحجر في الحدود الخارجية للقبر. أما المدافن الأكثر حداثة فقد تطورت لتصبح أكثر تعقيداً مع بناء فوقي من التراب وصفوف زخرفية من الحجر أو الطوب.
وهناك أيضا جبانة العامة والتي تعتبر امتداداً لمقبرة رجال الدين الأولى وتوضع في شرقها اختلافاً للمقابر الإسلامية، وهذا واضح بدراسة اتجاهات تلك المقابر. وهذا يشير إلى أهمية رجال الدين ودورهم في عملية الاسلمة، كما يوضح ان سكان سنار لم يكونوا كلهم مسلمين خاصة خلال السنوات الأولى للسلطنة.

هناك تعليق واحد:

  1. مساء الخير يادكتور ممكن تنشر لينا اعهد الديني في مملكة الفونج

    ردحذف

المؤلف

صورتي
عطبرة, نهر النيل, Sudan
مؤرخ وأستاذ مادة التاريخ بالجامعات السودانية