محتويات الموقع

الأربعاء، 9 ديسمبر، 2009

على هامش الاحتفال باليوم العالمي لمكافحة المخدرات

على هامش الاحتفال باليوم العالمي لمكافحة المخدرات
الإحباط الشديد الناجم عن سوء التوافق من أهم أسباب تفشي الظاهرة بين الشباب
توطئة:
إن تعاطي المخدرات حسب التيجاني الماحي، أبو الطب النفسي في السودان (1911 ـ 1970) غالباً ما يقود الإنسان نحو الموت بطريقة بطيئة ومريحة وناعمة، والحقيقة أن هذا الشعور بالنشاط والخفة الذي يحدثه، هو أقوى من ذلك الذي تحدثه الصحة، وإذا كان بالإمكان تلافي آثارها الضارة. فإنها بلا شك ستجعل الناس أكثر لطفاً وأنبل أخلاقاً. لكن مما يؤسف له أن الطب لا زال عاجزاً حتى اليوم عن الحد من ذلك الشعور اللطيف المريح الذي تحدثه المخدرات في الإنسان، والذي يقضي عليه في النهاية.
سوء التوافق: Maladjustment
يعد سوء التوافق من أهم أسباب تفشي ظاهرة الإدمان خاصة بين الشباب. لكن ما المقصود بهذا المصطلح؟ للإجابة على ذلك السؤال نقول: إن الفرد إذا استطاع أن يعيش في زحمة هذه الحياة عيشة راضية مرضية منتجة في حدود قدراته واستعداداته، قيل انه حسن التوافق. أما ان عجز عن ذلك بالرغم مما يبذله من جهود، فهو سيء التوافق. ويعرف سوء التوافق بأنه حالة دائمة أو مؤقتة تبدو في عجز الفرد وإخفاقه في حل مشكلاته اليومية، خاصة الاجتماعية، إخفاقاً يزيد على ما ينتظره الغير منه، أو ما ينتظره من نفسه.
ولسوء التوافق مجالات مختلفة: فهنالك سوء التوافق المهني، وسوء التوافق الأسري، وسوء التوافق الاقتصادي أو الديني أو السياسي. غير أن هذه الضروب المختلفة لسوء التوافق ما هي في الواقع إلا ظاهرة لسوء التوافق الذي يبدو في عجز الفرد عن إقامة صلات راضية مرضية بينه وبين من يتعامل معهم من الناس والأشياء في بيئة الاجتماعية والمادية .
مظاهرة سوء التوافق العام:
لسوء التوافق العام مظاهر شتى تختلف شدة وعنفاً واستعصاءً على العلاج. وآية ذلك أنه قد يبدو في صورة انحراف خفيف أو سلوك غريب لا يكاد يوصف بالشذوذ، أو في صورة مشكلة سلوكية. كما يبدو في صورة تمرد شديد لدى المراهق أو ميله إلى الانطواء والعزلة. وقد يبدو في صورة أشد عنفاً كالأمراض النفسية (Newcoses) والأمراض النفسجسمانية والانحرافات الجنسية والإجرام وإدمان المخدرات. والترويج لها. غير أن اخطر ضروب سوء التوافق هو الأمراض العقلية. (Psychoses) التي تسمى في اللغة الدارجة (بالجنون) تلك التي تجعل الفرد غريباً عن نفسه وعن الناس، خطراً على نفسه وعلى الناس، الأمر الذي يقعده عن العمل، ومن ثم يتطلب من المجتمع عزله والإشراف عليه وعلاجه.
أسبابه:
سوء التوافق العام أسباب بيولوجية أو نفسية اجتماعية شتى فمن الأسباب البيولوجية: عطب أو تلف في الجهاز العصبي أو الجهاز الغدي. ومن الأسباب النفسية الاجتماعية: صراعات داخلية وخارجية موصولة، شعورية ولا شعورية، تنجم عن إحباط شديد لحاجات الفرد الأساسية ودوافعه الحيوية. وهو إحباط ينشأ عن عقبات مادية أو جسمية أو نفسية أو اجتماعية تعترض إرضاء هذه الحاجات والدوافع وتسبب له أزمة نفسية. هنا يلجأ الفرد إلى الحيل الدفاعية: (Defence mechanism) كالتبرير، الإسقاط، التسامي، النكوص.. الخ، مخففاً من هذه الأزمة، فإن لم يوفق في ذلك لجأ إلى أساليب ومحاولات شاذة لحل الأزمة أو الهروب إلى الداخل وإدمان المخدرات، وأحياناً يستسلم لأحلام اليقظة. هذه الأساليب الشاذة هي مظاهر سوء التوافق التي المحنا إليها سابقاً.
الشباب أكثر ضحايا الظاهرة . لماذا؟.
لا جدال في أن الشباب هم أكثر شرائح المجتمع أهمية يعزي ذلك للآتي:
1. لأن طاقاتهم بلا حدود، فهم أكثر قطاعات المجتمع طاقة ونشاطاً وحيوية واندفاعاً.
2. الشباب يمثل عادة إرادة التغيير في مقابل إرادة الثبات لدى القطاعات الأخرى في المجتمع. خاصة الشيوخ والكهول.
3. كثرة المشاكل التي تصاحب هذه المرحلة من العمر: ما بين 12الى 20 عاماً تقريباً. والتي تعرف عادة بمرحلة المراهقة وما تمتاز به من فوران:(Adolescence)
والشاهد أن مشاكل الشباب ترتد إلى عاملين:
1. خصائص مرحلة الشباب
2. خصائص المجتمع الذي يعيش فيه ودراسته: مثل شكل العائلة، هل هي بسيطة أم معقدة. قوانين وقيم المجتمع. الصراعات الدائرة فيه. مستوى تطوره: هل هو رعوي أم زراعي أم صناعي؟ هل هو ريفي أم حضري؟ .. الخ.
والحقيقة أن خصائص مرحلة الشباب وما يكتنفها من فوران، تجعل الشباب أكثر ميلاً للمخاطرة والمجازفة وبالتالي سهولة الجنوح والانجذاب لعالم المخدرات.
وتتمثل أهم تلك الخصائص في الأتي:
1. التحدي بل أحياناً احتقار القيم الاجتماعية وعدم الاحتفال بها.
2. عدم القدرة على التفكير المجرد، أي التفكير التأملي الفلسفي. فكلمات مثل الوطنية والإنسانية لا تحدث نفس الأثر وليست لها نفس الفهم والتقدير بين الشباب والكبار.
3. محاولة البحث عن الذات، وتتميز بتقلب الأمزجة وتقمص الأدوار المختلفة مع سرعة التغيير.
4. الانتماء إلى مجموعة شبابية تساعد الفرد على الاستقلال عن الأسرة والولاء لهذه المجموعة سواء كانت سوية أو منحرفة.
5. الصراع النفسي المتولد من تأثير الغرائز، خاصة الغريزة الجنسية، وعدم النمو الكامل للأنا العليا (الضمير).
6. سرعة الانفعال والقلق كنتيجة للعوامل سالفة الذكر.
والشاهد أن الحياة نفسها ما هي إلا هذا التوتر بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون. انه يعكس بالدرجة الأولى ازدياد طموحات الناس وآمالهم ورغباتهم وعدم رضاهم عن واقعهم ورغبتهم في تغييره وتجاوزه، فالعين بصيرة إلا اليد قصيرة. فهنالك هوة أو فجوة كبيرة بين ما تراه العين وما تطاله اليد.
هذا بجانب التغيير الاجتماعي السريع وإيقاع الحياة المتصاعد. كل ذلك يؤدي إلى فقدان القدرة على التكيف السريع مع واقع يزداد تعقيداً وتشابكاً كل صباح جديد.
الوضع الاجتماعي للشباب اليوم:
إن مشاكل الشباب ما هي إلا انعكاس لمشاكل المجتمع، لكن بشكل حاد. فبقدر ما في المجتمع من تناقضات، بقدر ما تكون أزمة الشباب أكثر حدة. ولعل من أهم سمات المجتمع السوداني بعد الاستقلال سمة عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي، وتفكك الأبنية الاجتماعية التقليدية في الريف دون إيجاد البديل. كما أن الهجرة من الريف إلى المدينة تسبب للشباب النازح مشاكل عديدة في ظل الضغوط الرهيبة في المدينة. من مشاكل السكن العشوائي وغير الصحي، والبطالة الاقتصادية والجنسية، وعدم القدرة على الهجرة للخارج، ولم يبق أمام الشباب إلا الهجرة إلى الداخل والانكفاء على الذات وربما تعاطي المخدرات وممارسة الجريمة.
ما هي النتائج المترتبة على هذا الوضع؟
1. اليأس والقنوط والإحباط وازدياد نسبة المشاكل والأمراض النفسجسمانية وازدياد نسبة الانتحار.
2. إدمان المخدرات وسط الشباب نتيجة للهجرة الداخلية والشللية.
3. اللجوء إلى الجريمة وتوزيع المخدرات نتيجة لضعف الأنا العليا (الضمير).
4. انعدام الصلة بين الشاب وأسرته وبين جيل الشباب والأجيال التي قبلها وانكماش كل منهم عن الآخر.
5. خلق مثال سيء للأطفال ليشبوا على غرار اشقائقهم الكبار.
6. تدعيم روح الفردية والذاتية وسلوك طرق الخلاص الذاتي والأنانية والانتهازية على حساب الفضائل والمثل والقيم التي ورثناها.
ما هو الحل؟
1. العمل بشكل جاد على حل مشكلة البطالة، والمشاكل الأسرية ومشاكل التعليم، وبالدرجة الأولى تأهيل المعلمين كحجر الزاوية لحل هذه المشاكل.
2. إيجاد المزيد من المنافذ التربوية: كالأندية والجمعيات والمسارح
3. تكثيف الإعلام التوعوي والديني.
4. دراسة أثار الهجرة على المجتمع السوداني وما تخلفه من تفكك اسري، والجري وراء الحلول الفردية المؤقتة والسريعة.
5. التوعية الجنسية، فالجنس ليس هو العملية الجنسية الفسيولوجية، بل هو علاقة إنسانية أساسها الحب والمودة والوفاق والثقة واحترام الجنس الأخر.
6. لابد من منهاج عملي لخلق جيل سوي وذلك بخلق المجتمع السوي.
7. ختاماً فلنتذكر دائماً: أن اخطر ما في التربية، وأسوأ ما فيها هو أن نعظ الناس بشيء، وهم يرون أمامهم شيئاً آخر مختلفاً تماماً، هذا هو التناقض الذي يفضي إلى الانفصام الاجتماعي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المؤلف

صورتي
عطبرة, نهر النيل, Sudan
مؤرخ وأستاذ مادة التاريخ بالجامعات السودانية