محتويات الموقع

الأربعاء، 9 ديسمبر، 2009

البلد نوَّرت

البلد نوَّرت
بجانب مردوده الاقتصادي والاجتماعي: سد مروي
يثري الحياة الثقافية والأدبية السودانية


مفتتح:
سد مروي، مشروع القرن: يأتي كل آونة بمنة.. انه أشبه بسرحة ضخمة، امتدت فروعها الباسقة في كل الأنحاء .. ليستظل بظلها القاصي والداني. وينعم بثمرها الغاشي والماشي. وآية ذلك هذه المشاريع المصاحبة والتي تجسدت أولاً في هذه الطرق المعبدة التي امتدت إلى أحشاء الريف.. خيراً وبركة، ونماءً، وتواصلاً. وثانياً في هذه الجسور التي انتصبت على النيل الخالد، نيل الحياة، لتعانق ضفتاه في أكثر من موقع.. لتنتهي بذلك عزلة طال أمدها، بين عمرانه وسكانه، وليودع المواطنون والى الأبد المعاناة وضياع الوقت والجهد والمال. وتجسدت ثالثاً: في المرافق الصحية والتعليمية والخدمية التي توفرت للناس بمناطقهم .. ريفها وحضرها وكانوا في الماضي يضربون أكباد الإبل سعياً للحصول عليها. حقيقة: البلد نوَّرت.
اللجنة العلمية.. عطاء بلا حدود:
لقد كانت الدراسات التي أفرزها قيام السد بمثابة ثورة فكرية وعلمية غير مسبوقة، وبلا نظير. وآية ذلك ما ظلت تنجزه اللجنة العلمية لحفظ تراث وتاريخ المنطقة المتأثرة بقيام السد من أعمال ثقافية وأدبية غاية في الروعة والإبداع، ولا غرابة فهي اللجنة الأولى على مستوى السودان التي تضطلع بمهام التوثيق والتدوين للتاريخ والفلكلور الشفاهي بالمنطقة المتأثرة بسد مروي. ومع الاستمرار في تنفيذ السدود الجديدة سوف تستطيع اللجنة التمكن من التوثيق التاريخي والفلكلوري في كافة أنحاء السودان، خاصة وقد ضمت في عضويتها شخصيات مرموقة هم صفوة مشاعل النور بهذا البلد. ويأتي على رأسها بروفسور يوسف فضل، المدير الأسبق لجامعة الخرطوم وأحد أبرز المؤرخين السودانيين، وكان المرحوم بروفسور عون الشريف قاسم رجل العلم والإيمان وابن الحلفاية البار، رئيساً مناوباً لها. وقد حل محله الرجل القامة والقيمة بروفسور حسن مكي. هذا بجانب الرجل الآثاري الأول في السودان بروفسور علي عثمان محمد صالح، ثم شيخ الموثقين بروفسور علي صالح كرار المدير السابق لدار الوثائق القومية. ومن الفنانين والمفكرين باللجنة د. أحمد عبد العال ثم رجل حضارة السودان د. جعفر ميرغني. أنهم حقيقة صفوة الصفوة فلا عجب أن جاء عطاؤهم ثراً وقيماً وموضوعياً.
ولنبدأ من البداية، فقد درجت إدارة الإعلام بوحدة تنفيذ السدود، اهتماماً منها بالتوثيق لجميع أنشطة مشاريع السدود الاجتماعية والبيئية والاقتصادية، درجت على إصدار عدد من المطبوعات والكتب المصاحبة لتنفيذ المشروع بمختلف أوجه العمل. وحتى الآن أصدرت الوحدة ثلاث مجموعات، أحدثت حراكاً ثقافياً كبيراً في الساحة الثقافية والأدبية بالبلاد. وآية ذلك أنها رفدت الباحثين والقراء بعدد تسع عشرة إصدارة، احتوتها المكتبات العامة والأندية الثقافية وأفهام القراء، فضلاً عن مكتبتي الإسكندرية والكونغرس الأمريكي. وقد شملت تلك الدراسات كافة المناطق المتأثرة بالمشروع نذكر منها تمثيلاً لا حصراً الكتب الآتية:
1. الفلكلور والحياة الشعبية في منطقة امري، للبروفسور محمد المهدي البشرى
2. هجرة أبناء حامد (تداعيات في زمن الرحيل): للأستاذ أحمد الفضل أحمد
3. الحياة الدينية في أمري: للدكتور عبد الحميد محمد أحمد
4. قصة إنقاذ آثار الشلال الرابع: للأستاذة حباب إدريس أحمد
5. مملكة مروي: للبروفسور عمر حاج الذاكي
هذا وتستعد الوحدة الآن لإطلاق المجموعة الرابعة من سلسلة أصدارتها والتي تميزت بخصوصيتها في توثيق تراث أخر المناطق المتأثر بقيام سد مروي. وفيما يلي نستعرض بعضاً منها:
1. البلد نوَّرت:
وهو عبارة عن رسوم كاريكاتيرية من أحضان المعجزة بريشة وتعليق الأستاذ الكاركتاريست الشهير هاشم كاروري، خط فيها رسومات من واقع السودان والولاية الشمالية ووداعهما لعهد الظلام ببزوغ فجر سد مروي، مستغلاً في ذلك بمهنية عالية من الفاكهة والتراث الشفاهي في إبداء التحول الذي حدث بقيام السد. وهو أول بادرة توثيقية في هذا المجال.
2. الفرشاة والمجتمع:
ويحمل الكتاب اسم: المناصير الجديدة: رؤية إبداعية. وهو من إعداد طلاب وأساتذة كلية الفنون الجميلة والتطبيقية بجامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا. يوثق فيها أولئك الفنانون بالفرشاة واللون بمناطق إعادة توطين المناصير بقرى المناصير جنوب الدامر، ومشروع الكحيلة شمال شرق أبو حمد، ويشمل المشاريع الزراعية والمساكن والطرق والمؤسسات المختلفة، وحوى الكتاب لمسات فنية من مناطق عطبرة والمقرن والدامر وأبو حمد المجاورة للمشروع. ويتصدر الكتاب مقال للدكتور: حسين جمعان الفنان التشكيلي المعروف وأستاذ علم (الجرافيك) أي الفنون التخطيطية كالتصوير والزخرفة والكتابة والطباعة.
3. مشروع أمري الجديدة:
وهو من تأليف بروفسور مختار إبراهيم عجوبة، أستاذ علم الاجتماع بجامعة النيلين، وهو كذلك قاص معروف . والكتاب عبارة عن رصد للتفاعلات الاجتماعية في مجتمع أمري الجديدة. يستعرض فيه المؤلف مشروع امري الجديدة بمكوناته التنموية المختلفة، مع الإشارة لمؤشرات النمو السكاني في ظل تفاعل المجتمعات المجاورة من شايقية وبديرية وهواوير وكبابيش.. الخ، مع مجتمع المتأثرين ويستنتج لها مؤشرات مستقبلية تسهم في دمج المجتمعات في المستقبل القريب.
4. النخيل والتمور:
وهو للأستاذ محي الدين يوسف الباحث في مركز دراسات النخيل. ويتناول فيه النخيل والتمور في المنطقة المتأثرة بقيام السد، في دراسة عميقة لأنواع النخيل والتمور، موثقاً لها في مناطق سد مروي، وراصداً في نفس الوقت علاقتها بالتراث الشعبي وأثرها على الشعر والحياة في المنطقة التي تأثرت بقيام السد في الحامداب وامري والمناصير. والحقيقة أنها تعتبر دراسة توثيقية متفردة.
5. الصوفية والحياة الدينية في ارض المناصير:
وهو من إعداد الدكتور طارق أحمد عثمان، أستاذ التاريخ بجامعة إفريقيا العالمية. يستعرض فيه الحياة الدينية بمنطقة المناصير ومظاهرها المختلفة من قباب ومساجد والطرق الصوفية من ختمية وقادرية وتيجانية.. الخ، كما انه يتعرض للمؤسسات الدينية ذات الشأن والصيت كخلاوي الغبش وخلاوي كدباس (بمنطقة بربر) والمجاذيب بالدامر.
6. الحياة الاقتصادية ولاجتماعية بمنطقة المناصير:
والكتاب من إعداد دكتور يوسف خميس أبو رفاس، الأستاذ بجامعة إفريقيا العالمية. ويستعرض فيه النشاط الاقتصادي بمنطقة المناصير والتحولات التي حدثت على اقتصاديات الناس بمناطق إعادة التوطين وتطورها نتيجة لتوفر خدمات الكهرباء والمياه والري الحديث والخدمات الصحية والتعليمية. ويستشرف الكاتب عموماً مستقبل المنطقة في ظل هذه المتغيرات.
7. مملكة مروي: التاريخ والحضارة:
للبروفسور: عمر حاج الذاكي، أستاذ التاريخ بالجامعات السودانية، والذي صدر باللغة العربية ضمن المجموعة الثالثة. ولما كان الكتاب حائزاً على جائزة الشهيد الزبير محمد صالح للبحث العلمية، فقد أوصت اللجنة بترجمته للغة الانجليزية لتعميم الفائدة وتزويد مراكز البحوث العالمية المختلفة بأسرار حضارة مملكة مروي القديمة كأول بادرة من نوعها في هذا المجال. ويقوم بترجمته الكاتب نفسه.
* درع السدود لأفريقيا العالمية:
في يونيو الماضي كرمت اللجنة العليا لحفظ تراث وتاريخ المنطقة المتأثرة بسد مروي البروفسور حسن مكي ومنحته (درع السدود) بمناسبة تعينه مديراً لجامعة إفريقيا العالمية حيث شهد التكريم بروفسور يوسف فضل حسن رئيس اللجنة والذي ثمن مجهودات الجامعة وإسهامها في تعليم 4.000 طالب أجنبي من 100 دولة مختلفة مشيراً إلى أن اختيار بروفسور حسن مكي على رأس هذه الجامعة يأتي تتويجاً لخبرته وكسبه العلمي في المحافل الإقليمية والدولية.
ينتمي حسن مكي في أصوله للشمال (منطقة قنتي)، إلا انه ولد بمدينة الحصاحيصا عام 1950م والتي وصفها بأنها مدينة ملتبسة، ليس لها لون ولا طعم ولا رائحة، كسائر مدن الخمسينات، يصطرع فيها المسيد مع الانداية، وفي متجر والده بتلك المدينة انغمس في الاطلاع الواسع، درس الثانوي بحنتوب الجميلة حيث هضم خلال تلك المرحلة أدب الحركة الإسلامية. وفي السبعينات التحق بجامعة الخرطوم حيث اختارته جماهير الطلاب سكرتيراً ثقافياً. فأصدر مجلة الجامعة. وكان خطابه ثورياً مما جعل سلطة مايو تقتاده للسجون والزنازين، لثلاثة سنوات، وعقب تخرجه من الجامعه عمل داعية في جنوب السودان ودارفور وباحثاً بالمركز الإفريقي. جامعة إفريقيا لاحقاً (1990)م.
حصل على درجة الماجستير ثم الدكتوراه في فلسفة التاريخ بدرجة ممتاز في تاريخ القرن الإفريقي. من مؤلفاته، حركة الأخوان المسلمين (1944 ـ 1964)م، ومفاهيم في فقه الحركة، والثقافة السنارية (المغزى والمضمون). ورغم أكاديمية الرجل إلا ان تناوله يخلو من تقليدية غرف الدراسة وبرودة الأكاديميات، وإنما يبدو طموحه حاراً شائقاً بحيث أن حروفه تسرقك من موعد جميل.
رؤى الساعة 25 .. (مانديلا)
يبدأ الإنسان في إدراك ذاته واكتشاف قدراته فقط حين يجد له هدفاً خارج تلك الذات يؤمن به ويعمل من أجله.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المؤلف

صورتي
عطبرة, نهر النيل, Sudan
مؤرخ وأستاذ مادة التاريخ بالجامعات السودانية