محتويات الموقع

الأربعاء، 9 ديسمبر، 2009

ثورة الطلاب أكتوبر 1964م.. ماذا يبقى منها للتاريخ؟

في الذكرى الخامسة والأربعين لقيامها
ثورة الطلاب أكتوبر 1964م.. ماذا يبقى منها للتاريخ؟


توطئة:
تعتبر أكتوبر من أهم الثورات السياسية في تاريخ السودان الحديث بلا شك، نموذج من نماذج العمل الوطني الفريد، جاءت على غير مثال: لم يقلد فيها الشعب السوداني الآخرين، ولم يستورد فيها أصلا ولا فرعاً، أنها ثورة من نتاج العبقرية السودانية. وحدت السودان شماله وجنوبه، ويمينه ويساره، كباره وصغاره، نساءه ورجاله، ولهذا فان الحرص على إحياء ذكراها. والاحتفاء بها هو عمل وطني وقومي وتربوي يقدم للأجيال الصاعدة إثراء لوجدانهم، وتكريساً لسنة التواصل بين الأجيال، ووفاءً لمن ابتدعوها وصنعوها. فالتاريخ يبقى أبدا أساسا ومحورا لكل عمل تربوي ووطني يلتمس فيه النشء القدوة الحسنة والمثل الأعلى في حب الوطن والتضحية من أجله بالنفس والنفيس ولله در شوقي وهو ينشد:
وللأوطان في دم كل حرٍ يد سلفت ودين مستحق
وقد خلت المكتبة السودانية. كما ذكر الأستاذ أحمد محمد شاموق في كتابه (الثورة الظافرة) خلواً تاماً من أي اثر يتحدث عن ثورة أكتوبر ما عدا كتاب واحد هو (ثورة شعب) الذي أصدره الحزب الشيوعي، وقد اعتمده الكاتب كمرجع رئيسي بجانب نشرات أصدرها طلاب جامعة الخرطوم وما ورد في الصحف في أوقات متفرقة، ولقد كان للأدب خاصة الشعر إسهام كبير في تكريس قيم ومبادئ الثورة والاحتفاء بها، وكان في طليعة شعراء أكتوبر الشاعر والدبلوماسي محمد المكي إبراهيم الذي خصص في ديوانه (أمتي) خمسة أناشيد لأكتوبر يتصدرها نشيده الذائع الصيت للطلبة:
من غيرنا يعطي لهذا الشعب معنى أن يعيش وينتصر
من غيرنا ليقرر التاريخ والقيم الجديدة والسير
من غيرنا لصياغة الدنيا وتركيب الحياة القادمة
جيل العطاء المستجيش ضراوة ومصادمة
والمستميت على المبادئ مؤمنا
المشرئب إلى النجوم لينتقي صدر السماء لشعبنا
جيلي أنا
والحقيقة انه لو قامت ثورة (حسب شاموق) شبيهة بثورة أكتوبر في الشرق أو الغرب، ثورة شعب اعزل اسقط بإرادته القاهرة حكومة لم تؤمن إلا بالضرب من حديد على أيدي الوطنيين لو وقع هذا الحدث في أي بقعة أخرى من بقاع العالم لأخرجت المطابع بعد كل عام عشرات الكتب والدراسات عنها: إرهاصاتها، طبيعتها، مجراها، نجاحها، وعلى الجملة وقائعها من الألف للياء ، والشاهد لقد ابتعدت الثورة عن وجدان الشعب ولم يبق في ذهن الإنسان السوداني من ذكرى الثورة الظافرة إلا من تعطيل العمل أحيانا بمناسبة الذكرى المجيدة.
* ست سنوات عجاف من حكم الحديد والنار: (1958 ـ 1964)م:
الأوامر الثلاثة:
في صباح يوم 17 نوفمبر أذاع إبراهيم عبود قائد الجيش في خطابه الأول الأوامر الثلاثة التي كانت فاتحة الحكم العسكري وهي: 1. حل جميع الأحزاب السياسية 2. منع التجمعات والمواكب والمظاهرات في كل مديريات السودان 3. توقيف جميع الصحف ووكالات الأنباء والمطابع إلى حين صدور إعلان آخر من وزير الداخلية. ومن ثم تتابعت الأوامر المدعمة للحكم العسكري والتي تجرد الشعب من أدواته الرئيسية لإقرار نظام ديمقراطي يقوم على الحرية والعدل والشورى، ففي يوم 3 ديسمبر 1964م أي بعد 16 يوماً من الانقلاب أصدرت الحكومة أمراً بإلغاء النقابات وحل اتحاد العمال وإلغاء قانون العمل والعمال لعام 1948م.
وفي البداية استقبل الشعب الانقلاب بشيء من الرضا والبشر والترحاب والأمل في أن تجد البلاد على أيدي رجال الجيش من يقبل عثرتها وينقذها من تلاعب السياسيين وتسابق الأحزاب للكسب الحزبي الضيق. والحقيقة أن تنافس الأحزاب بعيد الاستقلال لم يكن من أجل إصلاح الوضع الداخلي ولا حفظ استقلال البلاد وتقدمها ولا رغبة في خدمة الشعب المفتقر إلى البئر والشفخانة والمدرسة ولقمة العيش الكريم، ولكن جرياً وراء كراسي الحكم والنفوذ والسيطرة على موارد الدولة وإمكاناتها وتسخيرها للمنافع الشخصية، وقد خاب فأل الشعب وظل أمله في الإصلاح يتبدد يوماً بعد آخر في ظل سياسة الحديد والنار التي انتهجها النظام الجديد خاصة وهو يتصدى لمشكلة السودان الأولى بعيد الاستقلال، أعني المشكلة القائمة في جنوبه.
* مشكلة الجنوب:
كما فشلت الأحزاب السياسية في حل مشكلة الجنوب فيما بين (1956 ـ 1958)م كذلك فشلت الحكومة العسكرية في إيجاد الحلول المناسبة لها وآية ذلك ان الحكومة لم تضع في الاعتبار وضع خطة واضحة ومحددة لحل المشكلة بل انشغلت بتأمين نظامها ومحاربة أعدائها.
ولنبدأ من البداية، فالشاهد انه لما قام التمرد الأول في الجنوب في أغسطس 1955م كان في بدايته قاصراً على القوات النظامية في حامية الاستوائية، ولكن على نقيض ذلك تفاقم السخط بين المدنيين بفعل سياسة البطش والقهر الذي مارسه رجال الحكومة خلال الحكم العسكري والذي دفع بالسياسيين والمواطنين من أهل الجنوب إلى المنافي في الدول المجاورة كأثيوبيا وزائير وجمهورية إفريقيا الوسطى، ولما جاء منتصف عام 1964م أحس المواطنون في سائر أرجاء البلاد بالمعارضة السياسية والعسكرية الجنوبية لذلك الحكم. والشاهد أن القهر العسكري لم يؤثر على الجنوب وحده بل ولد مقاومة ومعارضة على نطاق القطر ودفع بالقادة السياسيين الشماليين للمجاهرة برفضهم للقمع الذي كان يمارسه الجيش في الجنوب، جدير بالذكر أن هذا الرفض الجماهيري المستمر لتلك السياسات كان بمثابة السبب المباشر لاندلاع ثورة أكتوبر كما سيجيء لاحقاً، فقد تدهور الوضع في الجنوب بصورة مروعة في أغسطس 1964م، بفضل سياسة الحديد والنار التي راح ضحيتها كثير من الأبرياء في الجنوب.
* قضية أهالي حلفا: (1960 ـ 1963)م.
واجهت حكومة السودان مشكلة اجتماعية خطيرة بعد إبرام اتفاقية مياه النيل مع مصر في الثامن من نوفمبر عام 1959م لإقامة خزان السد العالي جنوب أسوان، ألا وهي تهجير وتوطين نحو 52 ألف نسمة من أهالي حلفا إلى أجزاء أخرى من البلاد على أن تدفع مصر لحكومة السودان مبلغ 15 مليوناً من الجنيهات وفي أكتوبر 1960م أعلن رسمياً أن خشم القربة على نهر عطبرة ستكون هي ارض التوطين.
ولقد وجدت المعارضة في ترحيل أهالي حلفا وتهجيرهم مادة دسمة لمعارضي النظام، ظلت تعيش عليها لعدة شهور، وآية ذلك تصاعد قضية أهالي حلفا وزيادة حدتها على نحو يجعلنا نقول: أن ثورة أكتوبر لو قدر لها أن تندلع في أي مناسبة أخرى لما وجدت ظروفا أكثر ملائمة من ظروف الإضرابات التي عمت البلاد بسبب قضية حلفا، ولقد كانت مطالب النوبيين العادلة هي : التعويضات المناسبة، إيجاد الموطن الجديد والاتفاق عليه مع الحكومة. غير أن التعويضات لم تكن كذلك بينما فرض الوطن الجديد على المواطنين الذين أجمع سوادهم على اختيار منطقة جنوب الخرطوم ومن ثم اندلعت المظاهرات في حلفا والخرطوم حيث التقى النوبيون وجماهير الشعب بالعاصمة مع طلاب جامعة الخرطوم وفي ذات الوقت خرج العمال بالتضامن مع النوبيين في مدينة عطبرة.
* تيار المعارضة:
الجيش: في أول مارس 1959م بدأت المقاومة العملية للحكم العسكري داخل الجيش ففي 4 مارس من ذلك العام قاد الأميرالآي عبد الرحيم محمد خير شنان والأميرالآي محي الدين أحمد عبد الله، حركة انقلابية داخل الجيش وكانت نتيجتها تغيير شامل داخل المجلس الأعلى للقوات المسلحة ابعد بمقتضاه عدد من القادة الكبار على رأسهم اللواء احمد عبد الوهاب والأميرالآي محمد احمد الخواض. وبدا الصراع على السلطة داخل المؤسسة العسكرية يتجه إلى إبعاد سحيقة، وآية ذلك تجدد المحاولات الانقلابية في فترات متقاربة كان أبعدها أثرا محاولة البكباشي على حامد في نوفمبر 1959م, وهذه المرة لجأت الحكومة بعد أن ضاقت ذرعاً بتلك المحاولات إلى عقوبة الإعدام. وبالفعل أصدرت محكمة عسكرية أحكاما بالإعدام على خمسة من الضباط هم: البكباشي علي حامد قائد المحاولة، البكباشي يعقوب كبيرة، الصاغ عبد البديع علي كرار، يوزباشي طيار صادق محمد الحسن، ويوزباشي عبد المجيد عبد الماجد. وجرى تنفيذ الإعدام في الساعات الأولى من أول ديسمبر 1959م وسط تكتم شديد خوفا من غضبة الشعب، وصدرت إلى جانب ذلك أحكام مختلفة بالسجن على عدد من العسكريين. أما الأستاذ الرشيد الطاهر بكر المحامي، فقد حكم عليه بالسجن لمدة خمسة سنوات.
* الطلاب: رأس الرمح:
شعرت الحكومة أنها بعد تنفيذ أحكام الإعدام في الضباط الخمسة قد قذفت الرعب في قلوب رجال الجيش، ولكن كان عليها في نفس الوقت أن تواجه جبهة جديدة انفتحت في تيار المعارضة الشعبية لحكم العسكري، ألا وهي جبهة الطلاب. وكان اتحاد طلاب جامعة الخرطوم يمثل رأس الرمح في حركة النضال الطلابية في السودان وقد بدا مواجهته للحكم العسكري بمذكرة ضافية رفعها للمجلس الأعلى للقوات المسلحة في 10 سبتمبر 1959م يدور فيها مطالب الحركة الطلابية ومطالب جماهير الشعب في الحياة الديمقراطية الكريمة وقد تضمنت المطالب الآتية:
أولاً: التعجيل بإقامة حكومة مدنية تمثل كافة الاتجاهات السياسية والوطنية
ثانياً: تكوين لجنة وطنية تطلع بوضع مسودة الدستور الدائم للسودان.
ثالثاً: إطلاق جميع الحريات الديمقراطية بما في ذلك حرية الصحافة.
رابعاً: عودة الأحزاب والنقابات والاتحادات.
خامساً: إلغاء جميع القوانين المقيدة للحريات الموضوعة قبل الاستقلال.
وبعده وكنتيجة لذلك, قامت وزارة الداخلية باحتجاز لجنة الاتحاد التي كانت برئاسة جعفر شيخ إدريس لمدة أربعة سنوات. ودخل الاتحاد في إضراب في 13 نوفمبر 1959م وأفضى الإضراب إلى سلسلة من الإضرابات الطلابية كان أهمها إضراب طلاب المعهد الفني ومظاهراتهم واقتحام البوليس لدارهم ونشوب معركة حامية بينهم وبين البوليس، وما لبث أن قاد طلاب الثانويات في بورتسودان والخرطوم وعطبرة وحنتوب إضرابات تضامنية مع طلاب الجامعة والمعهد الفني، وبتعاقب السنين صارت هذه الإضرابات تتجدد سنوياً مع مطالع الاحتفالات بأعياد الثورة رمزاً للتضامن الطلابي بين الجامعات والمعاهد العليا والمدارس الثانوية.
* المعارضة العمالية والحزبية:
في أول نوفمبر 1959م انضمت جبهة أخرى للمقاومة وذلك عندما دفع عمال السكة الحديد والوابورات بالخرطوم بحري وكوستي مذكرة للمجلس الأعلى للقوات المسلحة حددت مطلبين أساسيين هما:
أولا: إعادة النقابات على أساس قانون العمل والعمال لعام 1948م
ثانياً: إطلاق سراح جميع المعتقلين النقابيين والنظر في العفو عن المسجونين من قادة اتحاد العمال.
وقد رفضت الحكومة تسلم العريضة واعتقلت النقابيين التسعة الذين وقعوها ودخل العمال في إضراب إلى اجل غير مسمى. وكان هذا أول إضراب يقوده العمال في ظل ذلك النظام، كما كان بداية لمعركة قاسية خاضها العمال، خاصة عمال السكة الحديد، ضد الحكم العسكري.
واتسع نطاق المقاومة الشعبية وآية ذلك انه لم يمض عام 1959م حتى كانت أقوى جبهات المعارضة قد ولجت ساحة النضال وذلك حين رفع قادة حزب الأمة وقادة الوطني الاتحادي مذكرات منفصلة إلى الحكومة في أواخر عام 1959م تطالب بمزيد من الديمقراطية والحرية والانفراج السياسي.
ندوة التحدي (21 أكتوبر 1964م) وقيام الثورة:
لم تدرك الحكومة العسكرية خطر سياسة القمع والإرهاب التي اتبعتها في الجنوب إلا في سبتمبر عام 1964م حين كونت لجنة برئاسة السيد: أحمد محمد يس وهو عضو سابق في مجلس السيادة وقيادي بارز في الحزب الوطني الاتحادي المحظور وذلك للنظر في أسباب السخط بالجنوب، والتقدم بتوصيات لتصحيح الوضع، وأتاح قيام هذه اللجنة الفرصة لحوار علني وجه فيه النقد لسياسة الحكومة وأعلن فيه انه لا سبيل لحل مشكلة الجنوب إلا بإقامة نظام ديمقراطي للحكم، بدلاً عن النظام العسكري الذي لم يكن صالحاً ولا مؤهلاً لحل المشاكل السياسية باستخدام القوة، وكانت جامعة الخرطوم منبراً لهذه الآراء حيث نظم الاتحاد ندوة في يوم الأربعاء 21 أكتوبر 1964م لمناقشة مشكلة الجنوب. وذكر الطلاب أنهم يقومون هذه الندوة لأنهم يعتبرونها مشكلة قومية يجب أن يشارك الجميع في حلها، وان حلها ينبغي أن يكون حلاً سليماً. ثم تحدثوا عن عناد الحكومة وتعنتها لأنها تحجر حرية الفكر. وسرعان ما أنهال المتحدثون في الندوة على الحكومة بالنقد والتقريع واللوم البالغ، الأمر الذي دفع البوليس للتدخل لفض الندوة مستخدماً الغازات المسيلة للدموع. وسرعان ما اشتبك الطرفان في معركة غير متكافئة اضطر البوليس فيها لاستخدام الذخيرة الحية الأمر الذي أدى إلى مصرع شهيد الثورة البكر أحمد القشري طه كما أصيب تسعة آخرون بجروح.
وفي اليوم التالي الخميس 22 أكتوبر وخلال الموكب الذي سار خلف نعش الطالب الشهيد القيت خطب سياسية تندد وتدين الحكم العسكري. وتقدم أساتذة الجامعات باستقالات جماعية وتبعتهم قضاة المحكمة العليا والمحامون وأعلنوا قرارات مماثلة. وفي ذات الوقت جرى تنظيم إضراب سياسي وعصيان مدني شارك فيه المدرسون والأطباء والطلاب والعمال. ونفذ الإضراب يوم الاثنين 26 أكتوبر 1964م وتوالت الأحداث سريعاً يأخذ بعضها برقاب بعض حتى نجحت الثورة أخيرا بعد أن تدارك الفريق عبور الموقف وحال دون وقوع صدامات دموية بين الجيش والشعب وذلك حين أعلن في مساء ذلك اليوم حل المجلس الأعلى للقوات المسلحة ومجلس الوزراء وهكذا انتصرت إرادة الشعب وملأت مظاهرات الابتهاج شوارع الخرطوم وسائر المدن السودانية الكبرى.
وتكونت في ظل ثورة أكتوبر جبهة وطنية من جميع القوى والجماعات السياسية التي ساهمت في مقاومة النظام العسكري أطلق عليها جبهة الهيئات، ومن ثم تم الاتفاق على منهج سياسي يكون بمثابة دليل للعمل وهو ما أطلق عليه الميثاق الوطني تكفل في ظله الحريات العامة وحرية التنظيم وحرية الصحافة فضلاً عن تأمين استقلال القضاء وكذلك تأمين استقلال الجامعة.. الخ.
كما تكونت حكومة انتقالية برئاسة السيد: سر الختم الخليفة الذي كان يعتبر أكثر الزعماء الشماليين خبرة وتفهماً لجنوب السودان بحكم خدمته الطويلة كمسئول عن التعليم هناك وعلاقاته المتعددة مع الزعماء الجنوبيين، وكان من أولى الإصلاحات تعيين وزيرين جنوبيين في وزارتي سياديتين هما وزارة الداخلية، وتقلدها السيد كلمنت امبورق ، ووزارة المواصلات وقد آلت إلى السيد ازبوني منديري. كما تم تعيين السيد لوبجي أدوك عضواً في مجلس السيادة.
* أكتوبر ماذا يبقى منها للتاريخ؟
أولاً: يبقى كما أسلفنا نموذجها الفريد والأصيل كثورة شعبية كان الشعب كل الشعب قائداً لها. لم يبحث فيها السودانيون عن القيادات السابقة، لم يبحث عن الأحزاب، إنما كان يبحث عن السودان. كل السودان، كان السودان هو القائد وكان الوطن روحاً مستلهماً يوجه كل فرد من الشعب السوداني إلى الطريق. وهذا أول درس يستفاد من تلك الثورة، فالوحدة هي دوماً صمام الأمان لصيانة مكتسبات الشعب الأعزل إنهاء الحكم العسكري الذي جثم على صدر البلاد لست سنوات عجاف. وكان ذلك درساً أضاف إلى حصيلة المعرفة الإنسانية فصلاً جديداً، فصلاً في تعلم قهر الطغيان مهما تعالى ضجيجه وعظمت سطوته. فصلاً يحكى قصة الشعب الأعزل الذي ملأ الشوارع متذرعا بإيمانه وإرادته.
ثانياً: أثبتت الثورة أن الشباب في كل أمة هم ذخرها وسندها، وعضدها، وهم الذين يحملون رايات الخلاص، لأنهم يمثلون إرادة التغيير في مقابل إرادة الثبات عند الكبار. ولان طاقتهم بلا حدود، فهم أكثر شرائح المجتمع طاقة ونشاطاً وتطلعاً للمستقبل. وصدق الشاعر الدبلوماسي عندما أنشدهم:
من غيرنا يعطي لهذا الشعب معنى أن يعيش وينتصر
ثالثاً: أن المشكلة القائمة في جنوب الوطن هي بالأحرى: مشكلة السودان في جنوبه وليست مشكلة الجنوب، بدليل أن تفاقم الأوضاع في الجنوب كان بمثابة السبب المباشر لقيام ثورة أكتوبر.
رابعاً: أن الحوار والحوار وحده هو الأسلوب الأمثل لحل مشكلات الوطن. وان العنف طريق مسدود. ينتهي فيه الناس من حيث بدءوا وان البشرية مازالت عاجزة عن التخلص من تلك العادة القديمة المتمثلة في اللجوء للحرب لفض المنازعات وحل المشكلات.
خامساً: ستظل الحرية والديمقراطية أو الشورى هما ما تنشده الشعوب وما تصبو إليه في كل زمان ومكان، إذ عن طريقهما ينعم الناس بالحكم العادل والراشد، وفي ظلها يتحقق الاستقرار السياسي والسلام الاجتماعي. والشاهد أن غياب الحرية والديمقراطية أو الشورى سيظل أبداً احد أهم الأسباب لثورات والهزات السياسية والاجتماعية العنيفة في كل المجتمعات.
رؤى الساعة 25
أبو ماضي
يا من يحن إلى غدٍ في يومه قد بعت ما تدري بما لا تعلم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المؤلف

صورتي
عطبرة, نهر النيل, Sudan
مؤرخ وأستاذ مادة التاريخ بالجامعات السودانية