محتويات الموقع

الأربعاء، 9 ديسمبر، 2009

من أرشيف العمران.. وادي حلفا (1875ـ 1963)م

من أرشيف العمران
وادي حلفا (1875ـ 1963)م
مدينة الانقطاع النقلي.. وأول مركز لصناعةالسكك الحديدية في السودان


توطئة:
حلفا.. مدينة ذات نكهة خاصة ونسق مختلف .. حتى ذهب البعض إلى التساؤل: هل هي حقاً مدينة سودانية خاصة؟ خاصة وإنها ومنذ زمن طويل استدبرت السودان واستقبلت مصر. وفي العصر الحديث ظل يربطها بالجنوب (قطر السودان) كما يسميه أهلها. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فالمدينة بمعمار نوبي . والمقصود بالعمارة النوبية هنا، العمارة الخاصة بتلك المجموعات القبلية التي كانت تقيم في قرى محاذية وملاصقة لنهر النيل في أقصى شمال السودان في المنطقة الواقعة من جنوب أسوان شمالاً وحتى مناطق الدناقلة جنوباً. أي في منطقتي: النوبة المصرية، والنوبة السودانية. وهذه العمارة هي الأكثر قدماً والأعلى كعباً بالنسبة لفن العمارة في السودان. وآية ذلك أن جذورها ضاربة في القدم وتاريخ ميلادها يعود لأكثر من سبعة آلاف سنة، رضعت خلالها من أشلاء تراث تلك الممالك السودانية الممعنة في القدم مثل: كوش ، نبتة، ومروي، وترعرعت في كنفها وجاءت تلك العمارة خلال سنتي تكوينها الطويلة نتيجة تمازج بين ثقافة محلية وثقافات عديدة وافدة مثل: الثقافة الفرعونية، والرومانية، والعربية، ولازالت تلك العمارة تحيا بيننا وتقاوم الزمن بشتى السبل. وتتجلى مظاهرها في تلك النماذج من البيوت البسيطة الشكل العميقة المعنى، الراقدة على زراع النيل ومناطق النوبة المبعثرة هنا وهناك. وأهم ما تمتاز به تلك المنازل واجهتها الأنيقة المزدانة بالنقوش والرسوم النوبية الجميلة المعبرة.
وتقع مدينة حلفا من الناحية الطبيعية في قلب الصحراء الكبرى وهي بلا شك، رغم تفردها، مدينة سودانية، ولكنها من الناحية البشرية، فان التركيبة السكانية، بها تختلف عن بقية مدن السودان: البصالوة، الأصولية، العليقات، الكنوز، المنوكية، ...الخ وبقية السكان من الموظفين من أنحاء السودان الأخرى، وهم أحياء متفرقة بالمدينة.
ومن الناحية الاقتصادية، فان المدينة كانت تعتمد اعتماداً كلياً على أسوان، التي تمدها بحاجاتها من الزيوت، والفواكه المصرية بالأقفاص، والعسل بالبلالبص، والملوحة.. والصابون.. والعطور ...الخ ومعظم التجار في السوق من النوبة المصريين. وعلى الجملة كانت أسوان .. ولازالت ..هي المتكأ والملاذ بالنسبة لمدينة وادي حلفا.
والشاهد كما أسلفنا أن المدينة ولزمن طويل استدبرت السودان واستقبلت مصر. هذا فضلاً عن أن اللهجة المستخدمة في الحديث كانت تختلف عن بقية مدن السودان، كما أن العادات والتقاليد والطقوس، لا تمت بصلة لما هو سائد بالبلاد، خاصة تلك التي تتعلق بالأعراس، والزفة، وتجهيز العروس والختان والولادة وغيرها.
حلفا: مدينة الانقطاع النقلي:
تعتبر المدينة تماماً كجوبا. أحد أهم مدن الانقطاع النقلي بين السودان ومصر، وذلك بين النقل الحديدي: الخرطوم ـ حلفا، حلفا ـ كرمة ، حلفا ـ قرس. والنقل النهري حلفا ـ أسوان ـ القاهرة، وتبعد حلفا عن العاصمة المصرية بنحو 794 ميلاً عبر مواصلات متعددة على هذا النحو:
القاهرة ـ البلينة 350 ميلاً بالسكة الحديد
البلينة ـ أسوان 230 ميلاً بالبواخر والمراكب الشراعية
أسوان ـ الشلال 6 أميال بالسكة حديد
الشلال ـ حلفا 208 أميال بالبواخر
ويمتد من حلفا جنوباً إلى الخرطوم، خط حديدي بطول 124كيلو متر، ومنها إلى سرس جنوباً خط آخر بطول 54 كيلو متراً وذلك لتفادي الشلال الثاني وهو أصعب شلالات النيل وأطولها (22 كيلو متراً).
وهكذا كانت المدينة بحق وبحكم موقعها من أهم مدن الانقطاع النقلي بالبلاد، وذلك عندما اختيرت في عام 1875م لتكون مركزاً للسكة الحديد في السودان.
حلفا أول مركز لصناعة السكك الحديدية في السودان: (1875 ـ 1905)م
يرجع الفضل لخديوي مصر إسماعيل باشا (1863 ـ 1879)م في إنشاء السكك الحديدية في السودان. وآية ذلك أنه لما تسلم حكم مصر رأى ضرورة الاهتمام بمد السكك الحديدية لربط قلب السودان بالأراضي المصرية لرواج التجارة بين شطري الوادي. وهكذا سعى الخديوي إلى إنشاء السكك الحديدية في السودان باعتبارها الوسيلة الكفيلة لتحقيق العمران وترقية الزراعة والتجارة في تلك الجهة.
1.خط حلفا ـ سرس: (1873 ـ 1877)م 54 كيلو متراً:
يعتبر عام 1873م منعطفاً هاماً في تاريخ إنشاء السكك الحديدية في السودان. وآية ذلك أن هذا العام شهد ضربة البداية في تشييد تلك الخطوط، وذلك حين تعاقدت مصر مع شركة بريطانية لبناء المائة ميل الأولى من وادي حلفا إلى كرمة على المقاس الضيق (1.06متر) ، غير أنه وبسبب عجز مصر المالي. توقف الخط عند سرس على بعد 54 كيلو متراً جنوب حلفا. هذا وقد وصفت إحدى الدوريات الأجنبية ذلك المشروع على هذا النحو: (أن حاكم مصر قد بدأ في تنفيذ أضخم مشروع. لم يسبق اليه من قبل. فقد تمكن بمساعدة جيش جرار من المهندسين الانجليز من إدخال طريق حديدي وعدد كبير من الأرصفة الحديدية. لا في بلاد النوبة فحسب بل والى قلب إفريقيا).
وهكذا كان الحكم (التركي ـ المصري) قد أدرك منذ القرن التاسع عشر أهمية المواصلات الحديثة لحكم السودان واستغلاله. وسعى بالفعل لإدخال بعض الأساليب الحديثة، لكن قدرات مصر المالية حالت دون إحداث تغييرات مؤثرة. ورغم ذلك فإن مصر منحت السودان بعض عشرات الأميال من السكك الحديدية ومصلحة للأشراف عليها منذ عام 1875م. وقد عين بالفعل مصطفى فهمي باشا في ذات العام للأشراف على سكك حديد السودان التي كانت تابعة لسكك حديد مصر العليا. وقد انشئت في السنة التالية مباشرة مصلحة خاصة بسكك حديد السودان. وباحتلال بريطانية لمصر عام 1882م توقفت المشروعات المصرية الرامية إلى تشييد الخطوط الحديدية في السودان كنتيجة لاستفحال أمر الثورة المهدية بالبلاد.
2. خط حلفا ـ كرمة الحربي: 1896 ـ 1897م 327 كيلو متراً
استؤنفت في نهاية القرن التاسع عشر المجهودات الرامية لتشييد الخطوط الحديدية في السودان، هذه المرة على يد بريطانية بغرض تسهيل غزوه واستغلاله. وقد تم ذلك الغزو على مرحلتين : الأولى: استعادة مديرية دنقلا ، والثانية استعادة بقية السودان. وللاستيلاء على دنقلا شرع في تشييد خط ، حلفا ـ كرمة والذي يتكون من: خط حلفا ـ سرس القديم، بالإضافة إلى امتدادين هما خط من سرس إلى عكاشة، وآخر من عكاشة إلى كرمة، وفي ابريل 1896م بدا العمل في إكمال الخط. وبحلول الرابع من مايو عام 1897م وصلت رأس السكة إلى كرمة. وهكذا أصبحت حلفا تقاطعاً للسكة الحديد الوليدة. وعلى اتصال مباشر وسريع بكل من كرمة وأبي حمد. بعد إتمام سكة الصحراء عام 1897م.
هذا وقد تحولت مدينة حلفا ، كما وصفها: سير ونستون شرسل في كتابه حرب النهر من مجرد قرية صغيرة مغمورة إلى مدينة سريعة الإيقاع، متصلة الحركة، وقد اكتظت بأناس من كل جنس ولون. فبجانب السودانيين من مختلف القبائل والسحن، هنالك الأجانب من الأوربيين، فضلاً عن المصريين والشوام وغيرهم. وقد جاءوا جميعاً للالتحاق بسوق العمل الرائجة في حلفا: أول مركز للسكة الحديد السودانية. وقد نمت ورشها مع نمو الخط وزودت بمختلف المعدات والآلات والتجهيزات الحديثة المتطورة من مخارط ومسابك ومولدات ومطارق تجارية ومثاقب كهربائية وأفران للصهر... الخ. كما أصبحت المدينة بفضل ذلك الخليط من البشر، بابل أخرى يتحدث أهلها بكل لسان، بحيث كان من المألوف جداً أن يستمع المرء لما لا يقل عن سبع لغات مختلفة في الأسواق والأماكن العامة. لقد كانت المدينة حقيقة أشبه بالمدن العالمية. جدير بالذكر أن المدينة ضمت للسودان عقب الفتح مباشرة، فقد رسمت اتفاقية الحكم الثنائي 19/ يناير/ 1899م الحدود السياسية للسودان وحددتها بخط العرض 22 شمالاً بما في ذلك مدينة حلفا.
3. خط حلفا ـ الخرطوم الحربي: (الشريان الحديدي): (1897 ـ 1899)م:
في مارس 1896م بدأت العمليات الحربية البريطانية ـ المصرية ضد السودان بغرض استرداده والقضاء على دولة المهدية. وكانت مشكلة المواصلات والنقل هي مشكلة الساعة آنذاك. وفي هذا الوقت كان السردار كتشنر وهو من سلاح المهندسين يخطط لأعظم انجازاته وأبقاها على الإطلاق ، ألا وهو بناء سكة حديد الصحراء أي عبر صحراء العتمور من كرسكو أو حلفا إلى أبي حمد. وقد وقع اختيار السردار على هذا الطريق مفضلاً إياه على طريق النيل الطويل، غير عابئ بنصيحة المهندسين الذين أجمعوا على استحالة قيام ذلك الخط في تلك الصحراء البلقع الخالية تقريباً من أسباب الحياة. شرع كتشنر بعد أن اختار حلفا كبداية لذلك الخط في تنفيذ شريان الصحراء وبالفعل وفي أول يناير 1897م انفصل الخط الحديدي عن النيل وبدأ يزحف جنوباً صوب أبو حمد في ظروف بالغة الحزن وصفها سير ونستون شرسل في كتابه (حزب النهر) (أن الكلمات لتعجز عن رسم صورة لتلك البقعة المهجورة الموحشة التي كان يجري فيها العمل). فعبر الزوابع الرملية وشمس الصحراء المحرقة تتقدم القاطرة خطوة وعجلاتها تلف لفة أو لفتين بين الفينة والفينة، كلما امتدت امامها أجزاء من الخط الحديدي وهي تدفع امامها ألفي رجل. بعض يحمل الكتل الخشبية من الفلنكات من القاطرة ليغرسها في الأرض وبعضهم يحمل أجزاء الخط الحديدي. وهي تحمل على عرباتها معدات بقائها واستمرارها (الخشب والحديد) وأسباب حياتهم: الطعام والماء وأي قطع أو بتر للشريان الحديدي كان يعني نهايتهم في الصحراء عطشاً وجوعاً.
وفي يوم الحادي والثلاثين من أكتوبر 1897م تنفس الجميع الصعداء بوصول السكة حديد إلى أبو حمد. وكان ذلك إيذاناً باكتمال شريان الصحراء الذي استغرق العمل فيه قرابة التسعة أشهر وبلغ طوله 365 كلم وأقيمت من ثم محطات السكة حديد على خط حلفا ـ أبو حمد التي كانت في البداية تسعة محطات عرفت بالنمر وأضيفت إليها محطات نمرة عشرة حين شرع في مد خط أبو حمد ـ كريمة عام 1906م. وفي الثالث من يوليو عام 1898م وصلت رأس السكة إلى طابية عطبرة. وفي أكتوبر من العام نفسه أقيمت قنطرة خشبية مؤقتة على نهر عطبرة. ومن ثم شرع في مد الخط جنوباً حتى وصل الخرطوم البحرية (الحلفاية) وفي الحادي والثلاثون من ديسمبر عام 1899م. وبافتتاح الخط رسمياً لحركة البضائع والركاب وفي الرابع من فبراير عام 1900م اكتمل بناء خط حلفا الخرطوم الحربي الذي لعب دورا كبيرا في هزيمة الأنصار والقضاء على دولة المهدية.
حتى لقد ذهب شرشل في كتابه سالف الذكر للقول: (أن الخليفة لم يهزم وإنما قضت عليه السكة الحديد The Khalifa was not concquted, he was killed on the railway) ومما لا شك فيه أن هذا الخط أسهم بصورة فعالة في إنهاء العزلة النسبية التي عاشتها مدينة حلفا عن بقية أجزاء السودان، خاصة وكما أسلفنا ظلت حلفا دهراً تدير ظهرها للسودان وتستقبل مصر. أما الآن فقد ربطها قطر السودان كما يسميه أهلها ببقية مدنه وسائر عمرانه.
انتقال مركز السكة الحديد من حلفا إلى عطبرة 1906م:
ظلت مدينة حلفا منذ عام 1875م ولمدة ثلاثين عاماً مركزاً للسكة الحديد السودانية أي حتى عام 1905م. حين صدرت الأوامر بنقل رئاسة السكة الحديد منها إلى مدينة عطبرة. فقد حتمت الرغبة في إنشاء مواصلات عصرية تتمثل في خطوط سكة حديد تربط السودان بالعالم الخارجي وخاصة عن طريق البحر الأحمر، حتمت إنشاء مدن إستراتيجية ومواني صالحة تستطيع مقابلة النمو التجاري المطرد. ومن هنا نبع التفكير في مقر جديد لرئاسة السكة الحديد بدلاً عن ميناء وادي حلفا الذي أصبح لا يساوي التطور لبعده عن قلب السودان، ولأسباب أخرى منها: محاولة الانجليز أضعاف الروابط بين السودان ومصر ـ كما ظن الوطنيون المصريون. وقد قاد هذا التفكير إلى إنشاء مدينة عطبرة لتكون البديل المناسب والممتاز لوادي حلفا لرئاسة السكة الحديد، وذلك لموقعها الاستراتيجي الهام الذي سيمكنها من الأشراف الدقيق والهيمنة التامة على خطوط المواصلات في كل الاتجاهات داخل السودان. اتخذ القرار إذاً في عام 1905م وشرع من ثم في ترحيل الورش والمعدات من وادي حلفا إلى منطقة عطبرة، وحينئذٍ بدأت أسباب الحياة تدب في أوصالها ومظاهر العمران تأخذ طريقها بين أشجار الدوم وأكداس الرمال المنتشرة في المنطقة آنئذٍ. وكان ذلك بلا شك خصماً على وادي حلفا التي أخذت في الضمور والانكماش.
خط حلفا ـ قرس : 1942 (32 كلم):
في السنوات القليلة التي سبقت الحرب العالمية الثانية (1939 ـ 1945)م كان حجم التجارة بين مصر والسودان عبر وادي النيل ضئيلاً للغاية. غير أن دخول ايطالية الحرب جعل من هذا الطريق المجال الحيوي للتجارة والنقل بعدما تناقصت قيمة البحر الأحمر واضطربت فيه الملاحة كنتيجة لنشاط الغواصات المعادية للجانب، وعدم وفرة السفن من جانب أخر. وعليه فقد اشتد الضغط على سكة الخرطوم ـ حلفا كطريق أساسي لنقل وتلبية طلبات القائمين على تنظيم وتموين المجهود الحربي في الشرق الأوسط. غير أن العيب الأساسي والخطير أن تسهيلات النقل في وادي حلفا لم تكن كافية لمواجهة ذلك الضغط المستمر على الحركة الذي ارتفع في بعض الأحيان إلى ألف طن في اليوم الواحد. وآية ذلك أن ميناء حلفا لا تعاني من ضيق المكان فحسب، بل أيضا من ضحالة المياه، بحيث يتعذر وصول سفن الخدمة النهرية إليها ورسوها على أرصفتها، خاصة في موسم انخفاض المناسيب، والشاهد انه تحت إلحاح الظروف واحتياجات النقل الحربي، شرع في مارس عام 1942م في مد رأس الخط من حلفا لمسافة 32 كلم إلى قرس شمالاً حيث المياه أكثر عمقاً، وحيث يتسع المكان لبناء محطة نهرية ضخمة فيه. وكانت الخطوة التالية التحضير لمد الخط داخل الأراضي المصرية للبحث عن ميناء عميق للربط بين سكك حديد السودان وسكك حديد مصر. غير أن الفكرة لم يقدر لها أن ترى النور مطلقاً وهكذا أصبحت قرس داخل الأراضي السودانية هي المحطة الشمالية لنقل الركاب والبضائع. جدير بالذكر أن مواصلة حلفا قرس ظلت تؤدي دورها في الفترة التي تعجز فيها سفن الملاحة النهرية من الوصول إلى وادي حلفا وذلك حتى مطلع الستينات من القرن الماضي حين أتت عليها المياه التي غمرت منطقة حلفا كنتيجة لبناء السد العالي بالقرب من أسوان والذي شرع في بنائه عام 1960م.
السد العالي يأتي على المدينة (1963 ـ 1967)م :
لقد أحدث بناء السد العالي حوالي 8 كلم جنوب خزان أسوان تغيرات جذرية في خريطة المواصلات بين مصر والسودان ذلك أن المياه التي غمرت الأراضي السودانية حتى مدخل مدينة دنقلا قد قضت على الفور على وادي حلفا ومينائها النهري ، تلك المدينة التي شهدت ميلاد سكك حديد السودان، كما قضت خط حلفاـ قرس الذي انشأ عام 1942م إبان الحرب العالمية الثانية. ومن ناحية أخرى أصبح خط القاهرة ـ الخرطوم المؤلف من السكك الحديدية والملاحة النهرية والذي تم تدشينه قبل 65 عاماً مجرد ذكرى تاريخية.
ولقد واجهة حكومة السودان مشكلة اجتماعية خطيرة بعد إبرام اتفاقية مياه النيل مع مصر في الثامن من نوفمبر عام 1959م لإقامة خزان السد العالي جنوب أسوان، ألا وهي تهجير وتوطين نحو 52 ألف نسمة من أهالي منطقة حلفا إلى أجزاء أخرى من البلاد. وقد نص ذلك الاتفاق الخاص بالانتفاع الكامل من مياه النيل بين الجمهورية العربية المتحدة وجمهورية السودان على أن تدفع مصر لحكومة السودان مبلغ خمسة عشر مليوناً من الجنيهات المصرية تعويضاً شاملاً عن الأضرار التي تلحق بالممتلكات السودانية نتيجة للتخزين في السد العالي، وان تتعهد حكومة السودان بان تتخذ إجراءات ترحيل سكان حلفا وغيرهم من السكان السودانيون الذين ستغمر مياه التخزين أراضيهم، بحيث يتم نزوحهم نهائياً قبل يوليو عام 1963م. وفي الحادي والعشرين من أكتوبر عام 1960م أعلن رسمياً أن خشم القربة على نهر عطبرة ستكون هي ارض التوطين.
تجدر الإشارة إلى أن بانوراما التهجير، بكل تفاصيلها وتداعياتها حررت ووثقت في كتاب قيم للسيد حسن دفع الله مفتش مركز حلفا آنئذٍ والذي اشرف على تلك العملية الاجتماعية والإنسانية من ألفها إلى يائها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المؤلف

صورتي
عطبرة, نهر النيل, Sudan
مؤرخ وأستاذ مادة التاريخ بالجامعات السودانية