محتويات الموقع

الأربعاء، 9 ديسمبر 2009

من مظاهر الثقافة المادية لمملكة الفونجالإسلامية (1504 ـ 1821)م

من مظاهر الثقافة المادية لمملكة الفونجالإسلامية (1504 ـ 1821)م
العمارة العسكرية والأدوات


* أولاً: العمارة العسكرية : (القلاع والحصون):
وهي مصطلحات ملتبسة يصعب التفريق بينها مثل: قصر وحصن وقلعة وطابية، فنجد مثلاً: قصر إبريم، قلعة إبريم، قصر ود نميري وهو قلعة أيضاً وغيرها. وعموماً فالحصن: يمكن القول أنه مدينة مصغرة تضم قصر الحاكم والمسجد وثكنات الجيش والمنازل. أما القلعة: فهي مبنى عسكري بحت يضم ثكنات الجيش والمنازل. أما القلعة: فهي مبنى عسكري يضم ثكنات الجيش ومخازن الأسلحة والمؤن. ونجد كذلك هذا الاتباس والتداخل بين هذه الألفاظ في اللغة الإنجليزية فكثيراً ما تستخدم كلمات مثل، Castle، Citalel، Fort كمترادفات تعني قلعة أو حصن أو معقل أو قصر أحياناً.
والملاحظ في مملكة الفونج أن معظم مدنها في مواقع حصينة طبيعياً، كما أقام المناجل والملوك مواقع حصينة بين الشلالين السادس والثالث وذلك لأن بعض المدن احتاجت لتحصينات، فظهرت التحصينات العسكرية، كذلك نجد بعض المدن الهامة غير المحصنة طبيعياً مثل: العاصمة سنار والتي ذكر بأنها محاطة بسور من الجالوص، كذلك انتشرت القلاع والحوائط الدفاعية في مملكة الفونج خاصة في المناطق جنوب دنقلا وفي منطقة الشايقية مثل: قلعة الخندق وود نميري وكجي وأمري، بالإضافة إلى قلاع المنطقة ما بين الشلالين الخامس والرابع مثل: قلاع الكاب وجبل نخرو والكويب وجزيرة العشير والتي وجدت بها أبراج وحوائط حجرية ضخمة، وقد كان بعضها موجوداً قبل الفونج. ويلاحظ في قلاع الفونج وجود المسجد قرب القلعة كما وجدت غرف محصنة في منطقة قري في قمم الجبال وحوائط تحصينية بين المسافات التي تفصل الجبال عن بعضها.
ثانياً: الأدوات:
أ. الككر:
وهو مقعد خشبي قديم من أصل أفريقي وشائع في بلدان متعددة وقد استخدم لتتويج الملوك في دولة الفونج. والككر يتكون من ستة أرجل اثنان في كل طرف من طرفية واثنان في الوسط ويتراوح ارتفاعه ما بين قدم ونصف قدمين. وذكر أن هنالك ككر بأربعة أرجل، والقاعدة التي يجلس عليها مسطحة ومما يجدر ذكره أن ككر الفونج الوحيد الموجود هو ذلك الككر المحفوظ في كهف (قولي) جنوب الفونج والذي استخدم في احتفال تم بالقرب من قولي في أوائل عهد المملكة الثنائية وقد أخذه الصوفية من السلاطين وجعلوه من أدواتهم.
ب. الطاقية أم قرينات:
استعملها سلاطين الفونج وحكام الأقاليم التابعين لهم. وكانت توضع على رأس الحاكم أو المانجل ومن كان نحوه عند التتويج، ثم استعملها شيوخ الصوفية وقد ربط بعض الدارسين بين الطاقية أم قرنين وبين قرني كبش آمون، كما ربطها البعض الأخر بطاقية كان يلبسها بعض حكام النوبة. كذلك ذكر (قريفث) أنه وجد في صورة حائط في فرض وكنيسة جوار حلفا حاكماً نوبيا يلبس طاقية بقرنين وقد ذهب إلى القول أن الفونج أخذوا طاقيتهم من غطاء الرأس (التاج) عند حاكم مروي. وأضاف آركل أن الصوفية أخذوها من الفونج وجعلوها لمقدمي الطريقة وأكثر ما يكون انتشارها عند القادرية. وقد ظهرت هذه الطاقية على رأس ملك فازغولي الذي أورد صورته (نعوم شقير) وظهر أنها طاقية عميقة تكسي كل الرأس ولها حدان ممتدان فوق الأذنين متجهان إلى الأمام وكان المقصود بها تغطية الأذنين.
وهناك أدوات أخرى للحكم والإدارة مثل الكوفية ووثائق التمليك والمكتبات وأحكام القضاء ووثائق النسبة والملابس الملوكية والأختام وغيرها.
ج. الطبل والنحاس:
انتشر النحاس في دولة الفونج والمناطق الخاضعة لها وأصبح لكل قبيلة نحاسها والذي يمثل شعارها لأهميته في إكمال مراسم التتويج والإجازة بالحكم. هذا وقد كان النحاس (النقارة) يمثل أهمية كبرى للفونج، وذكر أن النقارة كانت تدق في المساء إلا أن نقارة الفونج هذه قد فقدت وقبل أنها آلت إلى المهدية. أما أصل النقارة فهو يرجع إلى عمارة دنقس أول ملوك الفونج.
وتذكر بعض المصادر وجود أقدم نحاس للفونج في جبل كيلي بجهة الكرمك في حوزة المك بشير رحمة الله الذي أورد أسمه في تتويج ملك فازغولي وأن تاريخ صناعته هو 571هـ (1193م) كذلك أشارت بعض المصادر إلى أن نحاس منطقة الدفار التي كانت تحت سيطرة الفونج.
د. الأسلحة:
هناك أيضاً بعض الأدوات المرتبطة بالحكم والإدارة مثل الأدوات العسكرية والأسلحة. ومما ورد من وصف للجيش الفونجي أنه كان مسلح بالرماح والسيوف ويستخدم الدروع الحديدية والدرقات. وقد استخدمها جيش الفونج في حروبه الصغيرة في كردفان والحبشة، وظلت تستخدم حتى القرن التاسع عشر بالرغم من وصول السلاح الناري في القرن الثامن عشر. هذا وتوجد العديد من الأسلحة الفونجية في المتاحف المختلفة مثل: سيف وزير الهمج أبو لكيلك، كذلك سروج الخيول والإبل التي امتلكها الخيالة والابالة. وقد وجدت العديد من الأدوات الحديدية والقطع الصغيرة التي استخدمت كأسلحة في مناطق سيطرة الفونج في الإقليم الشمالي ورغم ذلك فهنالك العديد من الأدوات التي لم تكتشف بعد، بينما البعض الأخر بين الأهالي الذي يعتبرونه فخر وعزة.
هـ . أدوات الطقوس الدينية:
وتشمل أدوات الخلوة من أقلام بوص ودوايا والألواح الخشبية والطواقي والجلاليب المرقعة والكوفيات والنوبة والطارات، وهي أدوات تصاحب الذكر والمديح، كذلك أدوات الصلاة مثل: السجادة التي تصنع من السعف أو الجلد، والسبحة والركوة التي يحمل عليها الماء، للوضوء وخلافه، والحجاب والعصا. كذلك نجد النصوص الدينية المكتوبة بخط اليد ونسخ القرآن الكريم والقدح الذي يوضع عليه الطعام بالإضافة لأدوات القباب مثل: المسرجة والمبخر وغيرها.
و. الأدوات المنزلية:
يعتبر الفخار من أهم وأكثر الأدوات المنزلية انتشارا وذلك في مواقع عديدة من أجزاء المملكة وقد عثر على إعداد كبيرة منه في موقع جبل (أبو قيلي) جنوب المملكة في حوالي عام 1914م وكذلك في مناطق قوز فاي ودبة (سبر) على بعد 15 كلم شمال شرق الرنك وإقليم دنقلا. ونجد أن الفخار قد استخدم كأواني لحفظ الماء والدواية، كذلك صنع منه العيلفون الذي يستخدم في التدخين. وعموماً فان معظم الفخار الفونجي وجد في شكل قطع صغيرة في أنحاء عديدة من المملكة.
ي. أدوات أخرى:
هناك أنواع أخرى من الأدوات المنزلية مثل: العناقريب والدواليب والأبواب الخشبية والنوافذ كذلك أدوات الطبخ من : قدور وأقداح وأدوات خاصة بالأفراح: كالهلال والجرتق والمسارج وسجاجيد السعف (السباتة) وأدوات أخرى مصنوعة من السعف وتستخدم لأغراض مختلفة، كالسلال والأطباق والريكة (تستخدم لوضع الكسرة) هذا بالإضافة إلى أدوات الترحال مثل: الحجل والعقل المستخدم لربط الجمال، والقربة لحفظ الماء والكبروس وهو وعاء مستطيل من الخشب يحمله الرعاة معهم ليجلبوا فيه اللبن أو يتناولوا فيه طعامهم يشبه الطربوش إلا أن له يداً من الخشب، وقد تسمى الخمارة (كبروس) في بعض مناطق الشمال. كما نجد أدوات الزراعة مثل: المناجل والجبال والفئوس والطواري والسلال والمحاريث والسلوكة واجزاء من السواقي والشادوف والملود (آلة لحش القش) كذلك وجدت أدوات مستوردة من عملات معدنية ونحاسية من عهد العثمانيين وعملات أوربية من النمسا، بالإضافة إلى القنينات الزجاجية وأواني فخارية من العهد الفاطمي وأخرى من الشرق الأقصى.
* خلاصة:
لقد وضح من خلال هذه الدراسة عن الثقافة المادية لمملكة الفونج الإسلامية (1504 ـ 1821)م، الانتشار الواسع لتلك المملكة في أقاليم السودان المختلفة سياسيا ودينيا وثقافيا خاصه الإقليم الشمالي حيث يعتقد الكثيرون التمركز التام للفونج فى وسط السودان ، إلا إننا نجد دلائل ماديه مختلفة لتوسع الفونج فى هذا الإقليم والتى امتدت لتشمل المجتمع نفسه. ويظهر ذلك في وجود مجموعات كبيرة من الفونج والذين اختلطوا بالمجموعات المحلية ولا زالوا موجودين حتى الآن في دنقلا وكرمكول وتنقسي وغيرها من المناطق الأخرى في الإقليم وقد جاء ذلك نتيجة استقرارها واسلوبها في إقامة تحالفات بدأت في القرن الرابع عشر الميلادي بين معظمهم المجموعات العربية بقيادة العبدلاب والفونج. وقد كانت مرحلة هامة وفريدة توحدت فيها مجموعات القبائل السودانية في شكل مملكة كبيرة متحالفة الشيء الذي ساعدهم في السيطرة على مجريات الأحداث في السودان وقد انصهرت تلك الثقافات لتصبح جزءاً من المكونات العضوية للثقافة السودانية.
ونخلص إلى انه لكتابة التاريخ الثقافي يجب أن ندرس أضلاعه الثلاثة لتعطينا معلومات متكاملة عن المجتمع والحضارة المعنية وهي: الآثار، والتاريخ، الشفاهي، والانثروبولجيا الفيزيائية.
فعلم الآثار: يساهم من خلال المسح الأثرى والتنقيب في توفير قدر كافي من المعلومات.
أما الموروث الشفاهي: فقد أصبحت له أهمية كبرى حيث يمثل مصدراً هاماً من مصادر اعادة البناء التاريخي ويمكن أن يساهم بصورة كبيرة في معارفنا للمجتمعات الحضارية المختلفة كما هو شأن علة الآثار.
أما الانثروبولجيا الفيزيائية: فندرس فيها التاريخ العرقي من ناحية الهياكل العظيمة والتي يمكن من خلالها دراسة المتغيرات في الأنواع الجسمانية ومعرفتها.
والشاهد أن هذه الدراسات ستسهم بصورة كبيرة لمعرفة مدى انتشار الآثار المادي لمجموعة الفونج وغيرها من المجموعات الأخرى في أنحاء السودان المختلفة كما أنها تساهم في توفير معلومات أفضل في المستقبل.
ختاماً فان الأمانة العلمية تقتضي أن نشير إلى إننا اعتمدنا بشكل رئيس في تحرير هذا البحث على ورقة بحثية بعنوان الثقافة المادية للملكة الفونج قدمها الأستاذ أحمد حسين عبد الرحمن قسم الآثار جامعة الخرطوم ضمن أوراق عديدة أخرى وذلك بجامعة الدمازين عام 2005م بمناسبة مرور 500عام على قيام دولة الفونج.
رؤى الساعة 25
ما جدوى المعرفة إذ ظلت حبيسة جدران العقل لا تغادره إلى الواقع؟ ما جدوى المعرفة التي لا تتحول إلى كينونة تخلق مجتمع أفضل وأجمل؟ فالمعرفة في نهاية الأمر ليست قوة، وانما القوة في استخدامها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المؤلف

صورتي
عطبرة, نهر النيل, Sudan
مؤرخ وأستاذ مادة التاريخ بالجامعات السودانية