محتويات الموقع

الاثنين، 21 ديسمبر، 2009

على هامش انعقاد الاجتماع الوزاري لدول الخط الحديدي القاري داكار – بورتسودان.. الخرطوم 10 ديسمبر 2009م

على هامش انعقاد الاجتماع الوزاري لدول الخط الحديدي القاري داكار – بورتسودان.. الخرطوم 10 ديسمبر 2009م

المشروع: (طبيعته وأهدافه)
فاتحة:
أتاحت لي دعوة كريمة من مدير عام هيئة السكة حديد الباش مهندس حمزة الفاضلابي ورفقة صفوة مختارة من قادة ورموز الهيئة لحضور ذلك الاجتماع الهام بغرض طرح وتفعيل وتسويق فكرة مشروع منظمة المؤتمر الإسلامي لخطوط السكك الحديدية القارية : داكار بورتسودان. وآية ذلك أن الدورة الحادية عشر للمؤتمر المنعقدة في الفترة ما بين (13 ـ 14 مارس 2008م) في داكار بالسنغال قد اعتمدت القرار الخاص بذلك الخط القاري ليقوم على متن خط الحج القديم والذي سوف يعبر أراضي سبع دول هي: السنغال، مالي، بوركينا فاسو، النيجر، نيجريا، تشاد، والسودان.
وليس من العسير الوقوف على خلفية ذلك القرار في ضوء علمنا بأن النقل يعتبر أحد أهم متطلبات البيئة الأساسية اللازمة لنمو الفرص الاقتصادية، حيث يلعب دوراً هاماً في صنع الميزة النسبية لأي اقتصاد أو ضياعها وفي ضوء الاتجاهات الاقتصادية الدولية الحديثة مثل: عولمة الأسواق، والتكامل الاقتصادي الدولي، وإزالة الحواجز أمام رؤوس الأموال والتجارة والأعمال وزيادة المنافسة، أصبح دور النقل أكثر حيوية وأكثر إلحاحاً.
والشاهد أن إحجام النقل والمرور في الدول الأعضاء بمنظمة المؤتمر الإسلامي، خاصة في البلدان الأفريقية، اقل بكثير من مثيلاتها في البلدان المتقدمة. ولا يزال أمام الدول الأفريقية أعضاء المنظمة طريق طويل نحو دعم شبكة النقل بها خاصة شبكات السكك الحديدية وآية ذلك أن عولمة العملية الاقتصادية قد جعلت دور النقل الحديدي أكثر أهمية بالنسبة للنمو الاقتصادي الوطني لتلك البلدان، والتي أخذت تدرك الدور الحيوي الذي يمكن أن يلعبه النقل في تقوية الروابط الاقتصادية والاجتماعية في القارة وعطفاً على ذلك فإن يتحتم على حكومات تلك البلدان التوصل إلى اتفاق مشترك لتحسين تلك الروابط ودفعها قدماً وذلك من خلال تنمية شبكة سكك حديدية إقليمية على أساس خطوط متفق عليها.
وليس من قبيل الصدفة المحضة أن يقع الاختيار على السودان لعقد الجلسة الافتتاحية لوزراء دول الخط بعاصمته الخرطوم. وإنما كان ذلك لأسباب تاريخية وجغرافية. وآية ذلك أن السودان يمثل القطاع الأكبر من الحزام الأفريقي الممتد من داكار على ساحل المحيط الأطلسي غرباً إلى جيبوتي على ساحل البحر الأحمر شرقاً والمعروف تاريخياً: بالحزام السوداني ولما كان السودان وهو ثالث دوله، بعد مصر وجنوب إفريقيا تنال استقلالها فهو الدولة الوحيدة التي اختارت أن تحمل اسم الحزام دون غيرها، فقد أصبحت البلاد هي الرمز لها جميعاً ومن ثم كان طبيعياً أن تجتمع دول الحزام على السودان وتلتف حوله.
ومن ناحية أخرى فإن السودان يحتل الجزء الشمالي الشرقي من قارة إفريقيا. وهذا الموقع جعل منه المعبر الرئيسي بين شمال إفريقيا العربي وجنوبها الزنجي، كما انه ظل حتى منتصف القرن الماضي الممر الرئيسي لقوافل الحج والتجارة من غرب إفريقيا إلى الأراضي المقدسة وشرق إفريقيا.
وفي سياق متصل فإن تجربة السودان في مجال النقل الحديدي هي تجربة عريقة نسبيا ورائدة في إفريقيا. وآية ذلك انه ثالث بلدان القارة بعد مصر وجنوب أفريقيا. في مجال السكك الحديدية. هذا عدا أنه يمتلك أكبر شبكة منها في القارة (حوالي 4478 كيلو متراً).
المشروع: (طبيعته، وأهدافه):
طبيعته:
أن خطوط السكة المقترحة سوف يتم مدها من داكار في السنغال على الساحل الغربي لأفريقيا إلى بورتسودان على الساحل الشرقي للقارة لمسافة إجمالية حوالي 10.000 كلم منها 6.000 كلم سوف يتم تشييدها بجانب تأهيل المتبقي الموجود أصلا. هذا ويتكلف بناء الكيلومتر الواحد من الخط المقترح (مليون يورو) ويصل هذا بتكلفة المشروع إلى حوالي (6 مليارات يورو).
هذا ومن المفترض أن تمر شبكة السكك الحديدية عبر المسار التالي: (داكار - السنغال، باماكو - مالي، اوغادوغو - بوركينا فاسو، نيامي - النيجر، كانو - نيجريا، انجمينا - تشاد، نيالا - الخرطوم - بورتسودان - السودان). وسيشكل بناء هذه الشبكة المقترحة عاملاً هاماً في ربط ما تبقى من بلدان غرب وشرق أفريقيا مثل غامبيا، وغينيا، وجيبوتي، وأوغندا، وكذلك ليبيا. وستحتاج شبكات السكك الحديدية الموجودة في هذه البلدان إلى مد خطوطها لربطها بهذا المشروع. وعلى صعيد آخر، سوف تكون كل دولة من الدول الأعضاء مسئولة عن تدبير مواردها المالية لتمويل الجزء الذي يخصها من هذا الخط الذي يعبر أراضيها الوطنية.
وفيما يختص بالإطار الزمني للمراحل المختلفة لتنفيذ المشروع، فقد حدد بنمو عشر سنوات على الوجه الآتي، سنتان لأعمال المسح والدراسات الفنية والاقتصادية، وسنتان للاتفاق على المسارات المختارة وإعداد التصميمات التفصيلية، وسنة واحده لعمل ترتيبات مؤسسية، وخمس سنوات لتشييد الخط وبناء المحطات بما في ذلك الإشارات والاتصالات السلكية واللاسلكية.
جدير بالذكر أن هذا الخط القاري الهام سيخدم بطريقة مباشرة حوالي 250.601.291 نسمة هم جملة سكان الدول السبع الأعضاء موزعين على النحو التالي:
م القطر عدد السكان شبكة السكك الحديدية القائمة
1 السنغال 12.521.851 905 كيلو متر
2 مالي 11.716.829 729 كلم
3 بوركينا فاسو 13.400.000 622 كلم
4 النيجر 13.044.973 لا توجد شبكة أصلا
5 نيجريا 150.000.000 4332كلم
6 تشاد 10.763.638 لا توجد شبكة أصلا
7 السودان 39.154.000 4478كيلومتر

أهدافه: لا شك أن الدافع الأساسي للمشروع هو الانعتاق من نير الفقر والتخلف عن طريق فتح محور رئيسي للتنمية عبر حزام الساحل من اجل انتقال سهل للسلع والخدمات بين الدول المعنية، وتعزيز التجارة البينية بين دول منظمة المؤتمر الإسلامي.
كما أن فكرة عبور القارة من الغرب إلى الشرق ربما تسهل كذلك نقل الركاب داخل المنطقة ومنها إلى منطقة الخليج لأغراض دينية وهذا فضلاً عما ستنتجه من فرص كثيرة للعمل للكثير من الناس.
سيساهم هذا الخط بلا شك، في إنهاء عزلة بعض الدول الحبيسة المحصورة. وهي على وجه التحديد: بوركينا فاسو، وتشاد، ومالي، والنيجر، والتي تلجأ نتيجة لذلك لنقل معظم تجارتها على المحاور الشمالية الجنوبية، بينما تتقلص فرص التكامل التجاري والاقتصادي والإقليمي على خط (الشرق ـ غرب) فعلى سبيل المثال ربما يكون من المنطقي بالنسبة لتشاد أن ترتبط بخطوط الشحن عبر البحر الأحمر.
وحيث أن كثيراً من الأعضاء سوف تبنى على ما لديها من خطوط قائمة، فإن هذا المشروع سوف يسهم في إعادة تأهيل خطوط السكك الحديدية القائمة ورفع كفاءتها طبقاً لمعايير الدولية الحديثة.
وفي ظل العولمة وما نتج عنها من انكماش أطراف العالم في تكتلات قارية وإقليمية، فإن هذا المشروع سيدعم على الصعيد السياسي الوحدة الأفريقية وآية ذلك انه سيعمل على تقوية الروابط الاقتصادية والاجتماعية بين شعوب القارة خاصة وان منظمة المؤتمر الإسلامي تدرك أهمية التواصل كقيمة إسلامية (وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم) الحجرات آية (13).
لكن لماذا النقل الحديدي على وجه التحديد؟ :
كما أسلفنا فإن من اجل حل مشكلة البلدان الحبيسة، وتقليل المسافة بين بلدان غرب إفريقيا وشرقها، وتحقيق مزيد من التكافل بين هذه الاقتصادات بعضها البعض وبينها وبين اقتصادات بلدان الشرق الأوسط واسيا، احتاجت البلدان الأعضاء إلى تنمية منظومة نقل كفء وقادر.
وإذا ما قيمنا تنمية الإمكانات الاقتصادية الكاملة في تلك البلدان نكتشف أن البنية التحتية الحالية للطرق وخدمة النقل بها تشكل على ما يبدو تراجعاً وليس دافعاً للتنمية. وبتحديد أكثر فإن التنمية المتعلقة بالزراعة والمرتبطة بغرض التنمية في الأحواض تتطلب وسيلة نقل ملائمة لنقل الأحمال الضخمة عبر المسافات البعيدة في اقل وقت، وبأقل تكلفة.
وعلى الرغم من التكلفة الاستثمارية العالية لمشروع داكار بورتسودان والاحتياجات الإدارية، فإن النقل بالسكك الحديدية يوفر عموماً وسيلة أفضل وأكثر كفاءة لنقل السلع الثقيلة من نقلها بالشاحنات على الطرق، وهذا يرجع بالدرجة الأولى للمزايا الفنية للسكك الحديدية ومنها:
1. يعتبر النقل الحديدي من ارخص وسائل النقل البري وأكثرها فاعلية من حيث النوع والكم. ففضلاً عن السعة الكبيرة، هناك ميزة تنوع المنقولات (مواد سائلة، مواد سائبة، ركاب، حيوانات، وقود، آليات...الخ).
2. انخفاض تكاليف التشغيل والصيانة، مع القابلية لزيادة المنقولات وزيادة السرعة دون أن يصاحب ذلك زيادة في استهلاك الطاقة مما يجعلها تتميز بانخفاض التكلفة كلما زادت المسافة بخلاف الوسائل الأخرى التي ترتفع معها التكلفة المباشرة للتشغيل كلما زادت المسافة، وتخدمها في ذلك ظروف فنية تتمثل في أن الانزلاق على الخط الحديدي نفسه يساهم في زيادة الحركة وتقليل استهلاك الطاقة.
3. ويبدو أن الخط الحديدي أثرا أكثر فعالية من الطريق البري أو النهري أو الجوي في دفع حركة العمران والاقتصاد الحديث وآية ذلك أن السكة الحديد هي الوسيلة الأولى في كمية الحمولة من البضائع والأشخاص.
4. يضاف لكل ذلك أن السكة الحديد تتميز بنظام متفرد لا يتأتى لغيرها من الوسائل، إذ تتمع بامتلاكها للخط الحديدي أو الطريق، بينما الشاحنات لا تمتلك الطرق وتدفع رسوم للعبور.
5. إلى جانب ذلك فإنه من الناحية النفسية دليل من الأدلة الدامغة على ثبات حركة الاتصال، لان الطريق الحديدي مثبت على الأرض، ومن ثم يصبح وجوده القاعدة الأساسية التي يبنى عليها الاستقرار العمراني والاقتصادي.
وعلى الرغم من هذه المميزات النسبية للسكك الحديدية، فلابد من التنويه إلى أنها وسيلة نقل مكملة وليست وسيلة منافسة لنقل الطوق.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المؤلف

صورتي
عطبرة, نهر النيل, Sudan
مؤرخ وأستاذ مادة التاريخ بالجامعات السودانية